تأملت في ما قاله الشيخ جراح جابر الأحمد الصباح وزير الخارجية الكويتي في التصريح الذي تضمن نقداً علنياً شجاعاً وصريحاً لجامعة الدول العربية، معتبراً إياها كياناً يحتاج إلى إعادة نظر جذرية في جدواه وأهدافه ومدى فاعليته والتعجب من خموله في وقت الأحداث التي تشهدها جزيرة العرب والخليج من الحرب الإيرانية - الأميركية، ووجدت أن مفهوم «الأخوة العربية» الذي قامت عليه أحلام الشعوب العربية اصطدم بواقع سياسي مرير منذ تأسيس الجامعة عام 1945، فهذه المنظمة العربية لم تولد من رحم مشروع نهضوي عربي متكامل، بل نبتت في ظل ظروف دولية «غامضة» فرضتها القوى الكبرى بعد الحرب العالمية الثانية، ولذلك يذهب بعض المحللين إلى أنها لم تكن سوى محاولة لترميم ما تبقى من «سايكس بيكو» وإعادة تدوير النفوذ الاستعماري في قالب إقليمي عربي، مما جعلها تفتقر منذ لحظة التأسيس إلى ما نستطيع أن نسميه الإرادة الحقيقية التي تجعل منها درعاً تحمي المصالح العربية العليا بعيداً عن الوصاية أو التبعية.
وهذا الضعف العروبي تحول إلى طعنة خذلان في خاصرة ذاكرة الوعي الكويتي إبان الغزو العراقي الغاشم عام 1990، حين شهدنا خذلاناً عربياً لا يُمحى من الذاكرة، فبينما كانت الكويت تُنهب وتواجه خطر المحو من الخارطة، انقسم العرب بين متفرج ومتردد، لولا الموقف الخليجي الموحد وعلى رأسه المملكة العربية السعودية والتدخل الأميركي الحاسم الذي أعاد الحق لأصحابه، فلقد علمتنا تلك المحنة أن «الأخوة» بلا أنياب حقيقية تدافع عن حقوق الأخوة هي مجرد سراب ووهم كاذب، ولولا التحالفات الدولية والخليجية الصلبة لبقينا في ظلمات الاحتلال العراقي القديم وسط منظومة عربية عاجزة حتى عن إصدار قرار حازم يحمي عضواً مؤسساً فيها، مما أثبت أن المظلة العربية في وقت الأزمات الوجودية تبدو أوهن من بيت العنكبوت.
إن هذه الوقائع تفرض علينا اليوم تبني رؤية الشيخ جراح الصباح في مراجعة موقفنا من المنظومة العربية برمتها، لتكون قائمة على أساس «المنفعة المتبادلة المباشرة» لا الرعاية الأحادية. فالسياسة في عالم اليوم لا تُبنى على العواطف والوجدانيات بل على المصالح والندية المباشرة، فمن لا يحرص على أمنك وازدهارك لا يستحق منك كثيراً من الرعاية أو الدعم.
*باحث اكاديمي