في أوقات الأزمات، لا تُختبر الشركات فقط، بل تُختبر مجالس إداراتها. ومع استمرار الحرب الدائرة في المنطقة وتأثر مسارات التجارة والشحن، لم يعد السؤال: هل ستتأثر الشركات؟ بل: هل مجالس إداراتها مستعدة فعلاً لما قد يحدث؟ ففي لحظات الضغط، لا ينفع التنظيم الشكلي، ولا تجدي الاجتماعات الروتينية، ما يحسم هنا هو وضوح الأدوار، وسرعة الفهم، وجودة القرارات.
وفي هذه الظروف، توضع مجالس الإدارات ولجانها وسياسات الحوكمة وإجراءاتها على محك التجربة. قدّمت تجارب الشركات في الخليج خلال الأزمات شواهد واضحة، إذ كشفت كيف يمكن لضعف رقابة مجلس الإدارة وتراكم المخاطر أن يقود إلى انهيار سريع عند الاختبار، كما في أزمة «مجموعة سعد والقصيبي وإخوانه» عام 2009.
وفي المقابل، برزت شركات مثل «المراعي» خلال فترات الاضطراب، حيث حافظت على استقرار سلاسل الإمداد بفضل وضوح دور مجلسها وجاهزيته وتفعيل خطط استدامة الشركة. واليوم، مع تأثر مسارات الشحن في البحر الأحمر وارتفاع المخاطر المرتبطة بإغلاق مضيق هرمز، تعود الأسئلة: هل لدينا خطط بديلة؟ وهل مجالس الإدارات تتابع هذه المخاطر بعمق، أم تنتظر حتى تتحول إلى أزمة فعلية؟ وهنا تظهر قيمة الدور الحقيقي لعضو مجلس الإدارة، إذ ليس مطلوباً منه أن يتابع أعمال الشركة، بل أن يعرف متى يسأل ومتى يتدخل.
فالسؤال الجيد في الوقت المناسب قد يكون أهم من القرار ذاته. يمكن اختصار أهم ما يحتاجه عضو مجلس الإدارة في الأزمات في قواعد ضرورية. أولهاً: لا تدع ضغط اللحظة يدفعك إلى قرارات سريعة غير محسوبة، فالتسرّع قد يكون مكلفاً بقدر التردد، كما يشير بيترسون وغاردنر في مقالهما في هارفرد بزنس ريفيو عن أخطاء القيادة تحت الضغط. وثانيها: لا تنزلق إلى دور الإدارة التنفيذية، فمحاولة الإمساك بكل التفاصيل تُربك العمل أكثر مما تضبطه. وثالثها: لا تترك فراغاً في المعلومة، لأن غياب الوضوح لا يبقى فراغاً بل تمتلئ مساحته سريعاً بالشائعات.
هذا الوعي ليس فردياً فقط، بل جماعياً أيضاً. فمجلس الإدارة الفاعل هو الذي يحافظ على توازن دقيق بين رقابة حقيقية دون إدارة مباشرة، وتوجيه واضح دون تعطيل القرار.
وعندما يختل هذا التوازن، يصبح المجلس إما عبئاً إضافياً أو جهة غائبة في وقت لا يحتمل الغياب. وتكشف الأزمات أهمية وجود خطط طوارئ تُفعّل عند الحاجة، خصوصاً في الشركات المرتبطة بسلاسل الإمداد، حيث لا يتعلق الأمر بأرباح المساهمين فقط، بل بالاستقرار المجتمعي والأمن الغذائي.
وهنا يصبح مجلس الإدارة خط الدفاع الأول، لا من خلال التدخل المباشر، بل بوضوح الرؤية وسرعة التقدير ودقة القرار.
*كلمة على الهامش*
عند الحروب والأزمات وغياب المعلومات تكثر الإشاعات وتشيع حالة من القلق والتوتر، ولكن عندما تكون المنصات الإعلامية الرسمية هي المصدر الأول والأوثق للمعلومات لمصارحة الشعب بصدق عمّا يجري فسيتم تبديد أجواء القلق والسلبية، وستجعل المواطن والمقيم على أهبة الاستعداد، وهذا ما فعلته حكومة دولة الكويت -أي الشفافية- بعد أسبوع من الحرب من خلال «الإيجاز الإعلامي اليومي» وهو من صميم مبادئ الحوكمة لاسيما في «إدارة الأزمات» فشكراً لهم، وشكراً لكل من سهر وبذل وضحّى لأجل أمننا واستقرارنا.
* متخصص في الحوكمة وعضو معهد الحوكمة المعتمد في بريطانيا وأيرلندا