في السياسة، تُقاس المؤسسات بقدرتها على التأثير، لا بتاريخها. وبهذا المعيار، تبدو جامعة الدول العربية اليوم كياناً فقد وظيفته، واستمر بحُكم العادة، لا الفاعلية. 

تصريح وزير الخارجية الشيخ جراح الجابر الأحمد الصباح، بأن الجامعة «أثبتت عجزاً واضحاً»، لم يكن قراءة ظرفية، بل كان تشخيصاً لخللٍ متجذر. فالمؤسسة التي أُنشئت لإدارة العمل العربي المشترك، تحوَّلت إلى إطارٍ يُدير الخلافات من دون أن يحسمها، ويؤجل الأزمات من دون أن يعالجها. 

المشكلة لم تعد في الإرادة فقط، بل في بنية لا تنتج قراراً أصلاً. آلية الإجماع تُستخدم لتعطيل الفعل، لا لتنظيمه، ما جعل الجامعة عاجزة عن مواكبة بيئة إقليمية تُدار فيها التهديدات بأدوات تتجاوز أدواتها التقليدية. ومن أبرز تجليات هذا الخلل، احتكار منصب الأمين العام فعلياً لدولة واحدة منذ التأسيس، في سابقةٍ تعكس اختلال التوازن داخل المؤسسة، وتضعف قدرتها على تمثيل النظام العربي ككل. هذا الخلل ترافق مع تراجع في الوزن السياسي للجامعة. مستوى التمثيل يتراجع، والمواقف تتباين، والقرارات تفقد قيمتها فور صدورها. وفي الأزمات الكبرى، يغيب التأثير العربي، فيما تتحرَّك قوى إقليمية غير عربية لفرض معادلاتها على المنطقة. 

Ad

الأزمة الأعمق أن الجامعة لم تنجح في صياغة مفهوم موحَّد للأمن العربي. ففي حين تنطلق بعض الدول من منطق الردع المباشر، تُدار المؤسسة بمنهج توازن نظري يفترض بيئة مستقرة، وهو افتراض يتناقض مع واقع إقليمي مفتوح على الصراع. بهذا المعنى، لم تعد الجامعة إطاراً لحماية الأمن العربي، بل أصبحت جزءاً من مشكلة غيابه. فهي لا تعالج الخلل، بل تحتويه شكلياً، وتمنحه غطاءً سياسياً يُطيل عُمره. لكن المفارقة أن هذا القصور يأتي في لحظةٍ إقليمية حرجة، تتعرَّض فيها دول الخليج لاعتداءات مباشرة من قِبل العدوان الإيراني الآثم على أراضيها ومنشآتها الحيوية والمدنية، وعلى أمن شعوبها. وفي مثل هذه اللحظات، لا يكون القصور مجرَّد خللٍ مؤسسي، بل يتحوَّل إلى فراغٍ استراتيجي مُكلف. لذلك، فإن الحديث عن «إصلاح» الجامعة لم يعد كافياً. 

السؤال الحقيقي اليوم هو: هل يمكن إصلاح مؤسسة تأسست على منطق لم يعد صالحاً؟ أم أن بقاءها بصيغتها الحالية يشكِّل عائقاً أمام أي محاولة لبناء نظامٍ عربي فاعل؟ 

وفي هذا السياق، قد لا تكون الدعوة إلى الانسحاب الجماعي من الجامعة فكرة بعيدة، لكنها في التوقيت الراهن ليست أولوية بقدر ما هو مطلوب أولاً تحصين الأمن الخليجي في مواجهة التهديد المباشر. غير أن استمرار الوضع الحالي من دون مراجعة جذرية سيجعل هذا الخيار مطروحاً أكثر من أي وقت مضى. 

في السياسة، هناك لحظات لا يكفي فيها الوصف، بل تُفرض فيها المراجعة بالقوة. وعندما تعجز المؤسسات عن حماية الأمن، فإن الاستمرار في التعويل عليها لا يُعد حذراً، بل تواطؤاً مع الضعف.