نشهد مؤخراً تصاعد المطالبات تجاه الحكومة من أجل اتخاذ إجراءات أو قرارات معينة فيما يخص الشأن الاقتصادي المحلي مدفوعة بمبررات التضرر من الحرب القائمة وتبعاتها المباشرة وغير المباشرة. في المقابل، تلتزم الحكومة الصمت التام، إما تجاهلاً أو انشغالاً بقضايا أخرى، دون التعليق على هذه المطالبات.
وفي تقديرنا، هذه المطالبات بالتدخل، سواء اتفقنا معها أو اختلفنا، لطالما أخذت حيزاً كبيراً من النقاش في أبجديات الاقتصاد الحديث بمختلف مدارسه. من أهم هذه المدارس المدرسة الكلاسيكية التي ترى أن الأنسب للاقتصاد هو حرية الأسواق وأن تترك «لتصحح نفسها بنفسها».
كذلك كانت هذه الأفكار محل اهتمام المدرسة الكينزية، التي تعتقد بأن الدولة يجب أن يكون لها «دور كبير» في الأسواق خصوصاً في حالات فشل السوق Market Failure.
وما بين هاتين المدرستين ورؤيتهما حول التدخل المباشر في الأسواق من عدمه، ظهرت مدرسة الاقتصاد المختلط وهي السائدة حالياً وترى أن التوازن هو الأفضل بحيث تكفل الدولة من حيث المبدأ حرية الأسواق لكن تلتزم بدور تنظيمي عام، وتتدخل عند حدوث الأزمات.
بناءً على تلك المطالبات ومدى توافقها أو تعارضها مع تلك المدارس، وفي ظل غياب هوية اقتصادية واضحة للدولة، تبادرت إلى ذهني تساؤلات عدة وهي:
• هل لدينا هوية اقتصادية معلنة وواضحة يفترض أن يعمل الجميع في إطارها؟
• هل الأولويات الاقتصادية ثابتة، أم أنها تتغير تبعاً للظروف؟
• هل دور الدولة هو حماية المنظومة، أم حماية الأفراد؟
• هل يكون التدخل في أوقات الأزمات بدافع اقتصادي بحت، أم بدافع أخلاقي أيضاً؟ وما حدود هذا التدخل؟
• أخيراً، هل التدخل دليل على ضعف السياسات الاقتصادية، أو ضعف الأسواق، أم الاثنين معاً؟
هذه الأسئلة نرى عن قناعة تامة استحقاقها في ظل ما ذكرنا من مطالبات تحمل في أعماقها صراعاً فكرياً لطالما ساهم في تشكّيل هوية دول عدة في خضم تعاطيها مع واقعها الاقتصادي.
فالقضية هنا ليست في مدى صحة أو مواءمة مدرسة اقتصادية دون أخرى، بل في «ضرورة أن تكون لنا هوية اقتصادية واضحة للجميع»، على اعتبار أن غيابها يعتبر معضلة حقيقية، يفضي إلى قرارات مكلفة على الجميع دون استثناء.
ختاماً، نحن هنا لا ندفع باتجاه تبني سياسات مدرسة معينة إنما نطرح تساؤلات مستحقة عن هوية الدولة الاقتصادية، فمن دونها يزداد المشهد تعقيداً، ويصبح فهم وقياس وتقييم أي قرار أمراً يصعب تحقيقه.
ويبقى السؤال الأهم هو، من يفترض فيه أن يحدد أو يشكل آلية تعاملنا مع الأزمات... هوية اقتصادية معينة أم ردود الأفعال وضغوط المطالبات؟
* أستاذ التمويل ومحاضر سابق في جامعة بورتسموث – المملكة المتحدة