الانطباع السائد عند الجمهور أن الرئيس ترامب تستهويه، بل تتلبَّسه، ادعاءاته الكاذبة والمتكررة. والواقع أنه عكس ذلك، فالكذب عنده يتخطَّى المعنى الشائع للكذب، بل وسيلة واستراتيجية تفاوض.

ترامب أعلن وجود محادثات «جيدة ومثمرة» مع إيران، لتفسير تأجيله ضربات على البنية التحتية للطاقة، وهذا ما عرضته وكالات أنباء «AP»، و«Fact Sheet.org»، و«Reuters»، وهو نمط يتبعه في خُطبه عند الأزمات، بحيث يمزج الوقائع بالاستنتاجات السياسية. لذلك يصعب على الجمهور التفريق بين المعلومة والرأي.

قد يكون مصطلح «TACO» الأقرب لوصف نمط في سياسات الرئيس الأميركي، وهذا المصطلح ظهر وانتشر في مايو 2025، وهو اختصار للعبارة التالية: «Trump Always Chickens Out»، أي «ترامب دائماً يتراجع».

Ad

يشير الأستاذ الجامعي الأميركي جون ميرشيمر إلى أن القادة الأميركيين أكثر ميلاً للكذب على شعوبهم في شؤون السياسة الخارجية من كذبهم على الدول الأخرى.

وفي السنوات السبعين الأخيرة لم يكن مستغرباً أن تكذب الشخصيات الرئيسية في الإدارة الأميركية، ومنهم الرئيس بوش، على الأميركيين في الفترة التي سبقت الحرب على العراق. وبهذا يكون بوش قد اقتفى أثر الرئيس فرانكلين روزفلت، الذي كذب بخصوص الحادثة البحرية في عام 1941، سعياً لإدخال أميركا في الحرب العالمية الثانية، والرئيس ليندون جونسون، الذي كذب بخصوص أحداث خليج تونكين في الصين عام 1964، للحصول على دعم الكونغرس لشن حرب على فيتنام الشمالية.

في هذا الشأن، ولفهم ظاهرة الكذب عند رجالات السياسة، أمامنا كتاب «لماذا يكذب القادة... حقيقة الكذب في السياسة الدولية»، تأليف جون ميرشيمر، وترجمة غانم النجار، ضمن سلسلة عالم المعرفة التي يُصدرها المجلس الوطني للثقافة والفنون والآداب.

وفي الحرب الجارية مع إيران بلغت التصريحات المضللة لترامب عشرات الأضعاف، لدرجة أنه لم يعد أحد يفهم ماذا يريد الرئيس من ورائها، وآخرها مهلة الخمسة أيام والمحادثات المثمرة جداً مع إيران، ثم مباشرة النفي الكامل على لسان مسؤولين إيرانيين.

هذا النوع من التصريحات يدخل في إطار المراوغة وطمأنة العدو، ومن ثم الانقضاض عليه بضربةٍ مفاجئة وصاعقة.

معظم الناس يعدون الكذب سلوكاً مستنكراً، فالكذب تهمة خطيرة، وعادة ما يتردَّد الناس في إطلاقها على أحد، لكن يبدو أن اعتبار الكذب فعلاً شريراً هو أحد الأسباب التي تجعل الناس يُحبون التحدُّث عنه.