تشهد المنطقة توترات متصاعدة وصراعًا محتدمًا على النفوذ بين الولايات المتحدة وإسرائيل من جهة، وإيران من جهة أخرى، في مشهدٍ يحمل احتمالات خطيرة على دول المنطقة كافة.وهذه حرب ابتلاء …وإن من سنن الحياة أن تمرّ الأمم بظروف عصيبة، واختبارات صعبة، يُبتلى فيها الناس بالخوف والاضطراب، كما قال تعالى:﴿وَلَنَبْلُوَنَّكُمْ بِشَيْءٍ مِنَ الْخَوْفِ وَالْجُوعِ…﴾وفي مثل هذه الأزمات، يكون الوعي هو خط الدفاع الأول؛ فليس كل ما يُقال يُصدَّق، ولا كل ما يُنشر يُعاد تداوله. والانجرار خلف الشائعات، أو اتخاذ مواقف انفعالية، قد يجعل المجتمع جزءًا من الأزمة بدل أن يكون بمنأى عنها.ثانيًا: أهمية اللحمة الكويتية والالتفاف حول القيادةلقد أثبتت التجارب، وخاصة في المحن، أن وحدة الصف الداخلي هي الحصن الحقيقي للأوطان. فالكويت، التي مرت بتجارب صعبة عبر تاريخها، إنما تجاوزتها بفضل تماسك شعبها، ووقوفه صفًا واحدًا خلف قيادته.ومن هنا، فإن المرحلة الراهنة تستوجب:* تعزيز روح الوحدة الوطنية.* الابتعاد عن كل ما يثير الفرقة أو الانقسام.* الالتزام بتوجيهات الدولة ومؤسساتها الرسمية.فالسمع والطاعة لولاة الأمر في المعروف، في المنشط والمكره، ليست مجرد توجيه شرعي، بل هي أيضًا ضرورة وطنية تحفظ الأمن والاستقرار، وتمنع الفوضى في أوقات الأزمات.ثالثًا: الوعي بالولاء الوطني ورفض الارتهان الخارجيومن المهم في هذا السياق توجيه خطاب صريح وواضح لمن قد ينجرف خلف الولاءات الخارجية؛ فالوَلاء الحق إنما يكون للأوطان وقياداتها، لا لدولٍ أجنبية تسعى لتحقيق مصالحها الخاصة. فإيران – وفق سياساتها المعلنة وممارساتها على أرض الواقع – تدير صراعاتها في إطار حماية مشروعها النووي وتحقيق أهدافها التوسعية، حتى وإن كان ذلك على حساب استقرار المنطقة، ومعاناة شعوبها، بل وحتى على حساب شعبها ذاته.ولنا في بعض الدول المجاورة عبرة؛ إذ تمتلك من الثروات والإمكانات ما يؤهلها للريادة، غير أن التدخلات الخارجية وهيمنة المليشيات أضعفت مؤسساتها، وأثقلت كاهل شعوبها بالأزمات، رغم وفرة مواردهاومن هنا، فإن الوعي يقتضي عدم الانخداع بالشعارات، والتمييز بين المصالح الوطنية الحقيقية، وبين الأجندات التي لا تخدم إلا أصحابها؛ فالوطن أولى بالولاء، وأحق بالاصطفاف، وأجدر بالحماية والدفاع.رابعاً : كفاءة الدولة وبسالة القوات العسكريةوفي خضم هذه التحديات، لا بد من الإشادة بحسن إدارة الدولة للأزمة، بما يعكسه ذلك من وعي سياسي، ورؤية متزنة، وقدرة على التعامل مع المتغيرات بحكمة ومسؤولية. كما نُثمّن الدور الكبير الذي تقوم به قواتنا العسكرية على اختلاف مؤسساتها، وما تتحلى به من جاهزية عالية وكفاءة مهنية، وبسالة في حماية الوطن والتصدي لأي تهديدات، بما في ذلك مواجهة الصواريخ والطائرات المسيّرة، في إطار منظومة دفاعية متكاملة تُجسد يقظة الدولة وحرصها على أمنها واستقرارها.خامساً : هشاشة الموقف العربي المشتركومما يؤسف له أن الأزمات المتكررة كشفت عن ضعف الموقف العربي المشترك، وغياب التأثير الحقيقي لـ جامعة الدول العربية، التي كان يُفترض أن تكون مظلة تنسيق وتكامل بين الدول العربية.ففي ظل التحديات الكبرى، لم يظهر موقف موحد قادر على التأثير أو الحد من التصعيد، الأمر الذي يعكس الحاجة الملحّة إلى:* إعادة بناء العمل العربي المشترك.* تطوير آليات اتخاذ القرار.* الانتقال من البيانات إلى الفعل المؤثر.سادساً : التكامل الخليجي… صمام الأمانفي مقابل هذا الضعف، يبرز النموذج الخليجي بوصفه أحد أهم نماذج التكامل الإقليمي، من خلال مجلس التعاون لدول الخليج العربية، الذي أسهم في تعزيز التنسيق السياسي والاقتصادي والأمني بين دول الخليج.إن المرحلة الحالية تفرض ضرورة:* تعزيز التنسيق الدفاعي والأمني بين دول الخليج.* توحيد المواقف السياسية تجاه القضايا الإقليمية.* دعم التكامل الاقتصادي بما يعزز الاستقرار الداخلي.فدول الخليج، بما تمتلكه من إمكانات، قادرة – بإذن الله – على حماية مكتسباتها، إذا ما استمرت في نهج التعاون والتكامل.سابعًا: الأيادي البيضاء… سر الحفظ الإلهيإن من نعم الله على الكويت ودول الخليج، أنها عُرفت عبر تاريخها بـ أعمال الخير والعطاء، فكانت سندًا لكثير من الدول والشعوب، وقدّمت الدعم الإنساني في مختلف الأزمات.كما فتحت أبوابها للعمل أمام أبناء الدول العربية والإسلامية والصديقة، فكانت مصدر رزق لكثير من الأسر حول العالم، وأسهمت في بناء حياة كريمة لملايين الناس.وهذه المواقف ليست مجرد أعمال إنسانية، بل هي – بإذن الله – أسباب للحفظ والتوفيق، مصداقًا لقوله ﷺ:“صنائع المعروف تقي مصارع السوء”كما أن من أعظم ما يُستعان به في مثل هذه الأزمات: الإكثار من الدعاء، والصدق في التوجه إلى الله، وبذل الصدقات؛ فهي مفاتيح الفرج، ووسائل لرفع البلاء، وتعزيز الطمأنينة في القلوب، واستجلاب حفظ الله ورعايته للأوطان وأهلها.ثامنًا: دور الأستاذ الجامعي والمعلم في زمن الأزماتفي خضم هذه الأحداث، يبرز دور الأستاذ الجامعي والمعلم في المدارس بوصفهما من أهم صُنّاع الوعي، حيث لا يقتصر دورهما على نقل المعرفة، بل يمتد إلى بناء الشخصية، وترسيخ القيم، وتوجيه الفكر نحو الاتزان والمسؤولية.ومن أبرز أدوارهما في هذه المرحلة:• طمأنة الطلبة والدارسين، والتخفيف من مشاعر القلق والاضطراب لديهم.• تعزيز الانتماء الوطني، وترسيخ مفهوم المواطنة الواعية والمسؤولة.• تنمية مهارات التحقق من المعلومات، والتحذير من الانسياق خلف الشائعات ومصادر الأخبار غير الموثوقة.• استثمار الأحداث الجارية في تنمية التفكير النقدي والتحليل الرشيد لدى الطلبة.• غرس قيم الصبر والثبات، وتعزيز التوازن النفسي والفكري في مواجهة الأزمات.إن الأستاذ الجامعي والمعلم اليوم يمثلان خط الدفاع الفكري الأول، وهما القادران – بإذن الله – على تحويل الأزمات إلى فرص تربوية؛ لبناء جيلٍ واعٍ، راسخ الانتماء، قوي الشخصية، ومتزن الفكرالخاتمةإن ما نعيشه اليوم من أحداث هو اختبار حقيقي لوعينا، ووحدتنا، وقدرتنا على التعامل مع الأزمات. ولسنا مطالبين بأن نكون طرفًا في الصراع، بل أن نكون أهل حكمةٍ وثبات، نحفظ أوطاننا، ونحمي مجتمعاتنا، ونبني أجيالنا.فبوحدتنا، ووعينا، والتفافنا حول قيادتنا، وتكاملنا الخليجي، واستمرارنا في فعل الخير، نستطيع – بإذن الله – أن نعبر هذه المرحلة بسلام، وأن تبقى الكويت ودول الخليج واحة أمن واستقرار.حفظ الله الكويت، وأدام عليها الأمن والإيمان، والسلامة والاستقرار
مقالات
التوترات الإقليمية واختبار الثبات الوطني
30-03-2026