ليست كل الأزمات متشابهة، ولا كل الصراعات تُقرأ بالمنطق ذاته. في لحظات التوتر الكبرى، تميل التحليلات السريعة إلى اختزال المشهد في ثنائيات مبسطة: مع هذا الطرف أو ضد ذاك؟ وكأن المنطقة تُدار بمنطق الاصطفاف لا بمنطق المصالح المركبة.
وفي هذا السياق، تأتي التطورات الأخيرة واستهداف موانئ الكويت ومطارها وبعض منشآتها الحيوية لتضيف بُعداً بالغ الخطورة، إذ إن هذا التمادي في المساس بالبنية التحتية لدولة آمنة لا يمكن تبريره بأي شكل من الأشكال، ولا يندرج ضمن أي منطق سياسي مقبول، بل يمثل تصعيداً مقلقاً يفرض إعادة قراءة المشهد الإقليمي بقدر أكبر من الوضوح والحزم.
غير أن واقع الخليج اليوم أكثر تعقيداً من هذه القراءات الاختزالية، فهو يقف عند تقاطع مشروعين إقليميين مختلفين في الأدوات، لكنهما يلتقيان في التأثير على استقراره: مشروع توسعي إسرائيلي ممتد تاريخياً، وتطلعات إيرانية تسعى إلى ترسيخ نفوذها الإقليمي.
في هذا السياق، لا يكفي الانحياز العاطفي، ولا تصلح المقارنات السطحية، بل يصبح من الضروري إعادة ضبط البوصلة السياسية وفق قراءة موضوعية تميز بين طبيعة كل تهديد، دون أن تبرر أحدهما بذريعة الآخر، ودون أن تقع في فخ الخلط بين مسارات متباينة في الشكل، لكنها متقاربة في الأثر على أمن المنطقة واستقرارها.
تعيش منطقة الخليج العربي اليوم واحدة من أدق مراحلها التاريخية وأكثرها تعقيداً، فنحن لا نقع جغرافياً وجيوسياسياً في قلب العالم فحسب، بل نجد أنفسنا أمام تحدي التعامل مع طموحات وتوجهات متباينة لقوى إقليمية تسعى لفرض هيمنتها وصياغة معادلات المنطقة وفق مصالحها الخاصة، وعلى رأس هذه القوى إسرائيل وإيران. إن هذا الواقع لا يمكن التعامل معه بردود فعل عاطفية أو اصطفافات ظرفية، بل يتطلب قراءة متأنية تقوم على التحليل الموضوعي وفهم السياق الأوسع.
طموحات النفوذ الإيراني في الحسابات الخليجية
بدءاً بالواقع الإقليمي، لا يمكن لأي مراقب سياسي خليجي منصف أن يتجاهل أثر التطلعات الإيرانية للتأثير في المحيط العربي والخليجي. تنظر طهران إلى نفسها كقوة إقليمية كبرى، وترى أن من حقها الطبيعي، وفق تقديراتها الذاتية لموازين القوى، أن يكون لها نفوذ ممتد وحضور وازن في الدول المحيطة بها. وقد أثبتت التطورات أن سعيها لترجمة هذه الرؤية إلى واقع ملموس خلق تحديات مباشرة لدول الخليج، سواء على المستوى الأمني أو السياسي.
إن بناء شبكات النفوذ والامتدادات الإقليمية في عدد من العواصم العربية، مثل صنعاء وبيروت وبغداد، أسهم في خلق واقع إقليمي معقد يضغط على الاستقرار العام، ويزيد من مستويات التوتر، كما أن بعض اللحظات التي شهدت استهدافاً للبنى التحتية والمنشآت الحيوية في الخليج، وهي تمثل عصب الحياة الاقتصادية لشعوب المنطقة، تظل أحداثاً غير مبررة سياسياً، وتثير هواجس أمنية عميقة.
هذا الواقع يفرض على العواصم الخليجية قراءة دقيقة لهذه التوجهات، والتعامل معها عبر أدوات سياسية ودفاعية واستباقية تحمي أمنها القومي، وتمنع انتقال التوترات إلى داخل حدودها.
التوسعية الإسرائيلية: تاريخ ممتد بمعزل عن طهران
في المقابل، من الخطأ المنهجي ربط السلوك الإسرائيلي بصراعه مع إيران أو تصويره كقوة توازن. إن إسرائيل، منذ نشأتها، تمثل مشروعاً استيطانياً توسعياً قائماً بذاته، يستند إلى رؤية تهدف إلى ضمان التفوق المطلق ومنع نشوء أي قوة عربية قادرة على المنافسة أو النهوض.
إن مراجعة مسار الأحداث منذ عام 1948 توضح أن إسرائيل استهدفت دولاً عربية في فترات لم يكن لإيران فيها أي حضور مؤثر، وهو ما يؤكد استقلالية مشروعها. فقد استهدفت مصر في حروب متعاقبة، من العدوان الثلاثي عام 1956 إلى حرب 1967، بهدف إضعاف دورها القيادي في العالم العربي، في وقت لم يكن فيه الصراع مع إيران مطروحاً أساساً، كما نفذت ضربتها الشهيرة ضد المفاعل النووي العراقي عام 1981 في ذروة الحرب العراقية- الإيرانية، حين كانت بغداد في مواجهة مباشرة مع طهران، وهو ما يعكس بوضوح أن القرار الإسرائيلي لم يكن مرتبطاً بإيران بقدر ما كان مرتبطاً بعقيدة تمنع أي تفوق عربي علمي أو عسكري.
وفي السياق ذاته، تكشف وقائع مثل ما عُرف بملف “إيران–كونترا” عن تعقيدات إضافية في المشهد، حيث تم تزويد إيران بالسلاح خلال حربها مع العراق عبر قنوات غير مباشرة، بما يعكس أن الحسابات الإسرائيلية والغربية كثيراً ما تتجاوز الشعارات المعلنة، وتخضع لمنطق إدارة التوازنات لا الاصطفافات المبدئية.
كما أن التدخلات الإسرائيلية في لبنان منذ السبعينيات، واستهداف الأراضي السورية بشكل متكرر، تندرج ضمن سياسة إبقاء البيئة الإقليمية ضعيفة ومجزأة. ولا يقتصر هذا النهج على الجانب العسكري، بل يمتد إلى فرض قيود مشددة وغير مسبوقة على برامج الطاقة النووية السلمية في الدول العربية، كما حدث في التجربة الإماراتية، في الوقت الذي تحتفظ فيه إسرائيل بقدرات نووية عسكرية خارج أي إطار رقابي دولي، وهو ما يعكس رفضها لأي نهوض عربي مستقل.
الحل الملحّ: كتلة خليجية حقيقية وفاعلة أمام هذا المشهد المركب، يصبح الرهان على التحالفات الخارجية أو التوازنات المؤقتة غير مضمون. الحل الأكثر واقعية يكمن في بناء قوة ذاتية خليجية قادرة على التعامل مع التحديات من موقع الفاعل لا المتلقي.
إن دول الخليج تمتلك مقومات قوية، تشمل اقتصاداً كبيراً وصناديق سيادية مؤثرة عالمياً، إضافة إلى موقع جغرافي يتحكم بممرات استراتيجية، وتجانس اجتماعي وسياسي يعزز فرص التكامل.
غير أن هذه المقومات تحتاج إلى إرادة سياسية واضحة لتحويلها إلى مشروع تكاملي حقيقي يقوم على تنسيق أمني عالٍ، وتكامل اقتصادي فعلي، وربما تطوير منظومة دفاعية مشتركة تعكس وحدة المصير. إن تحويل مجلس التعاون إلى كتلة استراتيجية فاعلة لم يعد خياراً مؤجلاً، بل ضرورة تفرضها طبيعة المرحلة. فعندما تتحرك دول الخليج ككتلة موحدة، فإنها لا تعزز فقط قدرتها الدفاعية، بل تفرض أيضاً معادلة جديدة تجبر القوى الإقليمية على إعادة حساباتها، وتمنحها موقعاً تفاوضياً أكثر توازناً.