في أوقات الطوارئ والكوارث تختبر الدول والمجتمعات حقيقة مؤسساتها وكفاءة رجالها. فالأزمات لا تكشف فقط حجم الخلل في الأنظمة، بل تكشف أيضاً نوعية الأشخاص الذين يتصدَّرون المشهد. وفي كل مرة نمر فيها بظرف استثنائي، يتكرر المشهد ذاته: الميدان يحتاج إلى أصحاب خبرة، لكن الساحة تمتلئ فجأة بالمتسلقين والمنظرين.
في اللحظات الحرجة، لا مكان للكلام الفارغ، ولا للخطابات الطويلة. إدارة الأزمات ليست مسابقة في البلاغة، ولا عرضاً للعلاقات العامة. إنها علم قائم على التخطيط والانضباط وسرعة القرار. ومع ذلك، يظهر في كل أزمة أشخاص لم يعرفهم الميدان من قبل، ولم يشاركوا في تدريب، ولم يتحمَّلوا مسؤولية حقيقية يوماً. يظهرون فجأة وكأنهم قادة وخبراء، فيما هم بالحقيقة مجرَّد عابري طريق يبحثون عن موقع في الصورة. هؤلاء لا يملكون خبرة، ولا يعرفون طبيعة العمل الميداني، لكنهم يُتقنون فناً واحداً: التنظير. يتحدثون كثيراً عن القيادة والإدارة، ويرفعون شعارات كبيرة عن التنظيم والتطوير، لكنهم عندما يُطلب منهم العمل الحقيقي يتراجعون أو يختفون، لأن الفرق واضح بين مَنْ عاش الأزمات في الميدان، وبين مَنْ يتحدث عنها من خلف المكاتب أو عبر الشاشات. المشكلة لا تكمن فقط في جهلهم، بل في الأذى الذي يسببونه. فوجود المتسلقين في الأزمات لا يضيف قيمة، بل يُربك العمل، ويعطِّل الجهود. يخلقون ضجيجاً إدارياً، ويتدخلون في التفاصيل من دون فهم، ويحوِّلون غرفة العمليات إلى ساحة جدلٍ عقيم. وفي الوقت الذي يفترض أن تُتخذ القرارات بسرعة ودقة، يتحوَّل المشهد إلى فوضى سببها أشخاص يبحثون عن الظهور لا عن الحل.
الأزمات تحتاج إلى رجال ميدان، لا إلى نجوم مناسبات. تحتاج إلى أشخاص يعرفون كيف يُنظم العمل، وكيف تُوزع المهام، وكيف تُدار الفرق تحت ضغط الوقت والخطر. أما أولئك الذين يظهرون فجأة مع كل أزمة، فهم في الغالب جزء من المشكلة، لا جزء من الحل. وللأسف، بعض المؤسسات تقع في خطأ فادح عندما تسمح لهؤلاء بالاقتراب من مواقع القرار. فإدارة الأزمات ليست تجربة يمكن أن تُعطى لمَنْ لا يملك الخبرة. أي قرار خاطئ في لحظة حرجة قد يكلف حياة إنسان، أو يُضاعف حجم الخسائر، أو يُربك جهود فرق تعمل ليلاً ونهاراً لإنقاذ الآخرين. مَنْ يعمل في الميدان يعرف أن الأزمات لا تُدار بالاستعراض، ولا بالشعارات. تُدار بالصمت والعمل والانضباط. تُدار بفريق يعرف حدوده ومسؤولياته، وبقيادة تمتلك الخبرة والشجاعة لاتخاذ القرار. لهذا، فإن أخطر ما يمكن أن يحدث في زمن الأزمات هو أن يتحوَّل المشهد إلى منصة للمتسلقين. فهؤلاء لا يصنعون حلولاً، بل يُحدثون ضجيجاً، ولا يبنون عملاً مؤسسياً، بل يركضون خلف الأضواء.
وفي النهاية يبقى الميدان هو الحكم. فعندما تهدأ العاصفة، ينكشف الفرق بوضوح بين مَنْ كان يعمل بصمت ليخدم الناس، وبين مَنْ كان يبحث فقط عن فرصة للظهور.
الأزمات لا تصنع الرجال، لكنها تكشفهم، وتكشف أيضاً أولئك الذين لا مكان لهم إلا في ظل الفوضى.