عندما تتزاحم القضايا الكبرى، يظهر أخطر أنواع التناقض، ليس فقط في تبدل المواقف، بل في إخفاء النوايا الحقيقية خلف كلمات منمقة. هناك من يتحدث عن حب الوطن في العلن، بينما في الخفاء يتمنى له الضرر أو يبرر استهدافه بطريقة ملتوية. لا يجرؤ على التصريح، فيلجأ إلى «دس السم بالعسل»، يلمّح ولا يصرّح، يبرر ولا يتحمل مسؤولية، وكأن هذا الأسلوب سيخفي حقيقة موقفه. هذا النوع من الخطاب ليس مجرد اختلاف رأي، بل هو خلل عميق في الانتماء، لأن من يرى العدوان على وطنه أمراً يمكن تبريره، حتى بشكل غير مباشر، فقد تخلّى عن أبسط معاني الولاء. الوطن ليس وجهة نظر، ولا موضوعاً للنقاش المزاجي، بل هو الحد الأدنى الذي يُفترض أن يجتمع عليه الجميع. أما من يحاول تليين فكرة استهدافه أو التقليل من خطورتها، فهو لا يمارس حرية رأي، بل يعبث بأساس الأمان الجماعي. الأخطر من ذلك هو الأسلوب المزدوج: خطاب هادئ ظاهره الاتزان، وباطنه مليء بالتلميحات السامة. يتحدث عن “تحليل سياسي” أو “وجهة نظر مختلفة”، لكنه في الحقيقة يمرر أفكاراً خطيرة بشكل غير مباشر. هذا النوع من الطرح قد يكون أخطر من التصريح الواضح، لأنه يخدع البعض، ويجعل الفكرة تبدو مقبولة أو طبيعية، وهي في أصلها مرفوضة تماماً. في النهاية، لا يمكن التهاون مع هذا النوع من التفكير، سواء كان صريحاً أو مغلقاً، لأن تبرير أي اعتداء على الوطن، أو حتى التلميح بقبوله، ليس مجرد رأي، بل هو موقف يكشف غياباً حقيقياً للانتماء. النقد هنا ليس قسوة، بل ضرورة، لأن حماية المجتمع تبدأ برفض هذه الأفكار بوضوح، وعدم السماح لها بأن تنتشر تحت أي غطاء.

* عضو مجلس إدارة جمعية المهندسين الكويتية - رئيس ملتقى الكويت لحلول الاستدامة

Ad