​توقفنا أسبوعين، وانشغلنا بالحرب، وبالقلق الذي يعلو مع الأخبار، وبالوطن حين يُختبر في سمائه وداخله. لكننا نعود اليوم إلى الجبهة التي لا تقل أهمية: جبهة الصف. فهناك أيضاً تُصنع الشجاعة أو يُصنع الخوف، وهناك يتعلّم الطفل أن يرفع يده... أو أن يبتلع صوته. ومن هنا يبدأ سؤالنا: كيف يتحوّل الخطأ في بعض الصفوف من بوابةٍ للتعلّم إلى سببٍ للصمت؟

في أحد الاختبارات، رفع طالبٌ يده متردداً... ثم أنزلها بسرعة. لم يكن السؤال معقداً، لكن الخوف كان أكبر من الجهل. في بعض الصفوف، الخطأ ليس جزءاً من التعلّم، هو لحظة انكشاف.

​ضحكة خفيفة، تعليق عابر، نظرة استغراب... تكفي ليختار الطالب الصمت في المرة القادمة. المشكلة ليست في ضعف الفهم، بل في ثقافةٍ تُشعر الطالب أن قيمته تهتزّ كلما أخطأ.

Ad

​نحن نطالب أبناءنا بالشجاعة الفكرية، لكننا لا نمنحهم أمان المحاولة. نطلب منهم التفكير بصوتٍ عالٍ، لكننا نحاسبهم إن أخطأ صوتهم.

​الخوف من الخطأ لا يقتل الإجابة فقط، يقتل السؤال قبل أن يولد. ومع الوقت، يتعلم الطالب مهارة خطيرة: أن يبدو فاهماً... بدل أن يصبح فاهماً.

​تحدّثت Amy Edmondson (1999) عن مفهوم «الأمان النفسي»، وبيّنت أن الأفراد يكونون أكثر تعلّماً ومبادرة حين يشعرون أن بيئتهم لا تعاقبهم على الخطأ غير المقصود. البيئة الآمنة لا تعني انخفاض المعايير، بل تعني أن الخطأ يُعامل كبيانات للتطوير، لا كدليل على فشل الشخص.

​وترتبط هذه الفكرة بما طرحته Carol Dweck (2006) حول «عقلية النمو». عندما يُنظر إلى القدرات باعتبارها قابلة للتطور، يصبح الخطأ خطوة طبيعية في مسار التعلّم، أما حين تُختزل القدرة في «ذكاء ثابت»، يتحول الخطأ إلى تهديد للهوية، ويصبح الدفاع عن الصورة أهم من البحث عن الحقيقة.

​وإذا أضفنا منظور Ryan وDeci (2000) في نظرية الدافعية الذاتية، تتضح الصورة أكثر: الطالب يحتاج إلى أن يشعر بالكفاءة، وبالانتماء، وبأن له صوتاً مسموعاً. الخوف يُضعف الشعور بالكفاءة، ويكسر الإحساس بالانتماء، ويغلق باب المشاركة. ومع الزمن، يتحول الصف إلى مساحة أداء لا مساحة نمو.

​الصف الذي يخاف من الخطأ ليس صفاً منضبطاً، هو صفٌّ حذر. والحذر قد يبدو هدوءاً... لكنه أحياناً انسحاب طويل الأمد.

​المعلّم لا يصنع الأمان بشعارٍ مكتوب على السبورة، بل بطريقة تعامله مع أول إجابة غير دقيقة. هل يصحّح الفكرة أم يصحّح الشخص؟ هل يمنح فرصة ثانية أم يغلق الباب؟

​الفارق دقيق... لكنه يصنع ذاكرة طويلة.

​الطالب قد ينسى تفاصيل الدرس، لكنه لن ينسى شعوره حين أخطأ. ذلك الشعور هو ما سيحدد إن كان سيرفع يده لاحقاً... أم سيكتفي بالمشاهدة.

​فاسأل نفسك: هل صفّك يسمح بالخطأ... أم يعاقبه؟ وهل طلابك يتعلمون بدافع الفضول... أم بدافع الخوف من التقييم؟

​ربما يبدأ التحوّل الحقيقي يوم ندرك أن الخطأ ليس عدو التعلم، بل بوابته الأولى.