في صباح عيد الفطر، خرجتُ إلى صلاة العيد، في أجواء جميلة ونسمات عليلة، والناس من حولي يمضون مترجلين بقلوبٍ معلّقة بتوحيد الله، وتكبير وتهليل يرتفع إلى السماء: الله أكبر، الله أكبر، لا إله إلا الله. كانت الوجوه مشرقة، والخطى مطمئنة، كأن الأرض كلها تتجه إلى قبلةٍ واحدة، لا يشغلها إلا لقاء الله في هذا اليوم المبارك.
وفي تلك الساعات الأولى من صباح العيد، عيد المسلمين الذي يُفترض أن يفيض بالسكينة والبهجة، اخترقت الصواريخ والمسيّرات الإيرانية سماء الكويت، وارتفعت صافرات الإنذار، وكأن يداً آثمة أرادت أن تفسد سلام العيد وبهجته، وأن تنشر الرعب والهلع في هذه الأيام الفضيلة. ومع ذلك، مضى الناس إلى صلاتهم، لا يلوون على شيء، وقد اختلط صوت التكبير بأصداء الخطر، فكان مشهداً يجمع بين الثّبات والحذر.
دخلنا المسجد، والعدوان لم يتوقف، ولكن كان في المسجد سكونٌ من نوعٍ آخر، سكون يهدئ البال ويعيد شتات النفس. في تلك اللحظة، لم أجد أصدق من أن أكبر وأُهلل و»أسترجع»، و»الاسترجاع» هو قول المسلم عند المصيبة أو الخوف: إنا لله وإنا إليه راجعون، فقد قال الله عزوجل: {وَلَنَبْلُوَنَّكُم بِشَيْءٍ مِّنَ الْخَوْفِ وَالْجُوعِ وَنَقْصٍ مِّنَ الْأَمْوَالِ وَالْأَنْفُسِ وَالثَّمَرَاتِ وَبَشِّرِ الصَّابِرِينَ الَّذِينَ إِذَا أَصَابَتْهُم مُّصِيبَةٌ قَالُوا إِنَّا لِلَّهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعُونَ} فقلتها من الصميم: إنا لله وإنا إليه راجعون. وشعرتُ أن تكرارها في هذه الظروف يُطمئن القلب ويرجعه لأصله.
إن «الاسترجاع» ليس مجرد تعزية تُقال عند المصائب، بل هو إقرار بأننا ملكٌ لله، مُلك لمشيئته، وأننا راجعون إليه، فلا حق يُنسى عنده ولا أَلمٌ يضيع.
وقد بيّن القرآن هذا المعنى حين بشّر الصابرين الذين يستقبلون البلاء بهذا التسليم، فهو حين يقول: «إنا لله» يسلّم الأمر لصاحب الأمر، وحين يقول: «وإنا إليه راجعون» يوقن أن كل شيء سينتهي إلى عدل الله ورحمته. فالمؤمن حين تصيبه مصيبة، يعلم أنها لن تخرج عن مشيئة الله، وأنها إمّا تكفيرٌ لذنب، أو رفعةٌ في درجة، أو عدلٌ سيُستوفى يوم القيامة. فإن كان للإنسان يدٌ فيما أصابه، تعلّم وصبر، وإن لم يكن له يدٌ، اطمأنّ إلى أن الله لن يظلمه، بل سيعوّضه خيراً.
ومن أعظم ما يمنحه هذا الذكر للإنسان أنه يسكب في قلبه سكينةً عجيبة {أُولَٰئِكَ عَلَيْهِمْ صَلَوَاتٌ مِّن رَّبِّهِمْ وَرَحْمَةٌ وَأُولَٰئِكَ هُمُ الْمُهْتَدُونَ}. فتخفّ وطأة الألم، ويهدأ اضطراب النفس، ويشعر المؤمن أن له ربّاً يدبّر أمره، ولا يتركه في مهبّ الأحداث. وهذه طمأنينة من الله لمن «استرجع» في المصائب، فهي ليست مجرد مكافأة مؤجلة، بل عطاءٌ حاضر في الدنيا قبل الآخرة، هي طمأنينة في القلب، ونور في البصيرة، وثبات عند الشدائد.
يقول سعيد بن جبير- رحمه الله: لم تُعط هذه الكلمات نبياً قبل نبينا، ولو عرفها يعقوب لما قال: يا أسفى على يوسف.