لم يكن ما حدث في اجتماع وزراء الطاقة لوكالة الطاقة الدولية (IEA) في باريس 13 فبراير 2026 مجرد خلاف دبلوماسي عابر، بل كان لحظة كاشفة. للمرة الأولى يغيب ملف التغير المناخي عن صدارة البيان الختامي لاجتماع عالمي بهذا الحجم، ويُستبدل بلغة أكثر حياداً، وأقل التزاماً. لم يصدر بيان موحد، بل اكتُفي بـ «ملخص رئيس الاجتماع» (Chair’s Summary)، وكأن العالم لم يعد متفقاً حتى على توصيف أزمته. في التفاصيل، مارست الولايات المتحدة ضغطاً واضحاً لتخفيف التركيز على الحياد الكربوني، ملوّحة بإعادة النظر في دورها داخل الوكالة، لتنجح فعلياً في إعادة ترتيب الأولويات من المناخ إلى أمن الطاقة.

هذا التحول لا يمكن قراءته بمعزل عن السياق الأوسع. العالم اليوم يعيش حالة قلق طاقي حقيقي، حروب، اضطرابات في سلاسل الإمداد، وأسواق متقلبة. في مثل هذه اللحظات، تميل الدول إلى الخيارات «الآمنة» على المدى القصير، حتى وإن كانت مكلفة بيئياً على المدى الطويل. الولايات المتحدة بوصفها أكبر منتج للنفط والغاز ترى أن الواقعية تفرض تعزيز الإنتاج بدلاً من الالتزام الصارم بسيناريوهات «صافي صفر». في المقابل، تتمسك أوروبا بمسار التحول الأخضر، مدفوعة بتشريعاتها البيئية واستثماراتها الضخمة في الطاقة المتجددة. نحن إذن أمام انقسام حقيقي: ليس فقط في السياسات، بل في الفلسفة التي تحكم مستقبل الطاقة.

الأثر الأعمق لهذا التحول يتجاوز مجرد بيان سياسي. عندما تتراجع جهة بحجم وكالة الطاقة الدولية عن إبراز أولوية المناخ، فإن ذلك يرسل إشارة غير مباشرة للأسواق، للمستثمرين، وحتى للدول النامية بأن الالتزام قد يكون مرناً، وأن الطريق إلى الحياد الكربوني لم يعد مساراً واحداً متفقاً عليه. هذا قد يفتح الباب أمام عودة الاستثمارات في الوقود الأحفوري بوتيرة أعلى، ويؤخر مشاريع الطاقة النظيفة، ويضعف الزخم العالمي الذي تشكّل خلال السنوات الماضية حول اتفاقيات المناخ.

Ad

لكن الأخطر من ذلك هو التحول في «السردية العالمية». لسنوات، كان الخطاب السائد يتمحور حول «إنقاذ الكوكب» وتقليل الانبعاثات. اليوم، يبدو أن الخطاب يتغير تدريجياً إلى «تأمين الطاقة بأي وسيلة ممكنة». هذا لا يعني نهاية التحول الأخضر، لكنه يعني أنه لم يعد أولوية مطلقة، بل خياراً ضمن خيارات متعددة يخضع للحسابات السياسية والاقتصادية.

في المنطقة الخليجية، يحمل هذا التحول أبعاداً خاصة. من جهة، قد يعزز الطلب على النفط والغاز في المدى المتوسط، ويمنح الاقتصادات النفطية مساحة زمنية أطول لإدارة التحول. لكن من جهة أخرى، فإن التراجع العالمي عن الالتزامات المناخية قد يبطئ الاستثمارات في التقنيات النظيفة ويؤخر انتقال المنطقة إلى نماذج اقتصادية أكثر تنوعاً واستدامة. هل نحن أمام إعادة ضبط واقعية لمسار الطاقة أم بداية تراجع صامت عن أحد أهم التزامات هذا القرن؟!