كنت متردداً بشأن هذه الحرب ضد إيران، وهذا أقل ما يمكن قوله. صحيح أن وصول حكومة محترمة إلى السلطة في طهران قد يكون بمثابة أفضل فرصة لتحسين أوضاع الشرق الأوسط، لكني أشك كثيراً في أن مجرد قصف جوي شامل لإيران يمكن أن يولّد هذا التغيير. كان من الأفضل لو أن الرئيس ترامب استشار شخصاً غير حدسه قبل أن يضغط على الزناد.

ربما أستطيع أن أشرح موقفي عبر مشاركة بعض القواعد التي طالما وجّهتني في تغطية منطقة الشرق الأوسط.

القاعدة الأولى: أخطر أربع كلمات في الشرق الأوسط هي «مرة واحدة وإلى الأبد». أي أن إسرائيل أو أميركا ستنهي تهديداً عسكرياً «مرة واحدة وإلى الأبد».

Ad

لقد ذكرت هذه القاعدة في مقال كتبته بعد 9 أيام من هجوم «حماس» على إسرائيل في 7 أكتوبر 2023، حين كانت الحكومة الإسرائيلية تدرس الرد. والطريقة الوحيدة لإزالة تهديد عسكري بصورة نهائية هي القوة مقرونة بالسياسة، أي عبر خلق قيادة أفضل ومستدامة على الجانب الآخر. وهذا أمر بالغ التعقيد، ويتطلب دائماً تنازلات سياسية من جانبك.

لننظر الى حدود الاغتيالات بوصفها أداة للحسم النهائي. لقد شاهدت الإسرائيليين يقتلون ثلاثة أجيال من قادة «حماس»:

*الجيل الأول من مؤسسي الحركة، مثل كبير صانعي القنابل يحيى عياش الملقب بالمهندس، والشيخ أحمد ياسين الزعيم الروحي لـ «حماس»، والجيل الثاني من القادة الذين ركزوا على تحويل «حماس» من جماعة مقاتلة إلى تنظيم حاكم يمتلك ترسانة صاروخية متطورة، ومنهم أحمد الجعبري ومحمود المبحوح، والجيل الثالث بعد هجمات 7 أكتوبر، مثل صالح العاروري، ومحمد الضيف، وإسماعيل هنية، ويحيى السنوار، العقل المدبر لهجمات 7 أكتوبر، ومحمد السنوار، شقيق يحيى وخلفه في القيادة العسكرية.

والسؤال الآن: من يسيطر اليوم على المناطق في غزة التي يعيش فيها معظم الفلسطينيين؟

الجواب: الجيل الرابع من «حماس».

وخلاصة الأمر، قتلت إسرائيل قيادة «حماس» 3 مرات متتالية، لكنها لم تستطع القضاء على سيطرة الحركة هناك بصورة نهائية. فكيف سيكون الأمر مع إيران، التي تبعد نحو ألف ميل، ومن الجو فقط؟

في غزة، لم تنهِ استراتيجية قطع الرأس «حماس» لأن الحركة تحتفظ بجذور سياسية وثقافية عميقة، ولأنها استطاعت ترهيب معارضيها، ولأن الحكومة الإسرائيلية رفضت العمل مع بديل سياسي، مثل السلطة الفلسطينية في الضفة الغربية، التي كانت تدير غزة قبل أن تسيطر عليها «حماس» في 2007.

ولماذا لا تتعاون حكومة رئيس الوزراء بنيامين نتنياهو مع السلطة؟ لأن هدفها الحقيقي، كما ورد بوضوح في إعلان تأسيس الائتلاف الحاكم، هو فرض سيطرة إسرائيلية دائمة على الضفة، وربما ضمها مستقبلاً.

ويبدو أن السيناريو الإيراني يسير في الاتجاه ذاته، ترامب ونتنياهو يقتلان القادة في طهران، وإيران تعيد إنتاج بدلاء لهم، وفي الوقت نفسه، تبقى المعارضة الإيرانية ضعيفة ومشتتة وخائفة من القمع الداخلي والقصف الخارجي.

القاعدة الثانية: لا تشرب «ميلك شيك» جارك بالكامل

تعلمتُ مبكراً أنه ليس من الحكمة أبداً أن تقوم دولة بتجريد عدوّها من كرامته إلى الحد الذي يشعر معه بأنه لم يعد لديه ما يخسره. هذا الأمر غالباً ما يرتد عليك لاحقاً. 

لسنوات، كنت أراقب المستوطنين الإسرائيليين وهم يشربون تدريجياً «ميلك شيك» الفلسطينيين في الضفة الغربية، من دون أن يتركوا لهم أي إمكانية لإقامة دولة فلسطينية متواصلة جغرافياً هناك. وهذا سيعود ليطارد إسرائيل، ويتركها في النهاية أمام خيارين فقط:

إما دولة ثنائية القومية، لا دولة يهودية، أو دولة فصل عنصري، لا دولة ديموقراطية.

أفهم أن إسرائيل تحاول القضاء على قيادة حزب الله في لبنان، وعلى النظام الإسلامي في إيران. هؤلاء بالفعل أطراف سيئة وضعت مصالحها وأيديولوجيتها فوق مصالح شعوبها وازدهارها.

لكن إذا، في سياق محاولتها القضاء على كل القيادات العليا نهائياً، قامت أيضاً بتدمير واحتلال مساحات واسعة من لبنان، وتدمير الاقتصاد النفطي الإيراني كما فعلت في غزة، فإنها ستكون قد فعلت أمرين:

أولاً، ستدفع ضدها تلك الشعوب نفسها التي كانت تأمل أن تنتفض ضد حزب الله والنظام الإيراني.

ثانياً، ستترك تلك الدول في فوضى اقتصادية تجعل من المستحيل حكمها. وعندها ستضطر للبقاء في لبنان إلى الأبد.

لبنان اليوم يمتلك أفضل قيادة منذ الحرب الأهلية (1975–1990): رئيس الوزراء نواف سلام ورئيس الجمهورية جوزيف عون، وهما يحاولان إنهاء دور حزب الله كقوة عسكرية شيعية. لكن الشيعة هم أكبر مكوّن سكاني في لبنان، وكان حزب الله مصدر فخر وقوة لهم ليس فقط لأنه حارب إسرائيل، بل لأنه أيضاً عزّز نفوذهم داخل الدولة.

فقط الشيعة اللبنانيون قادرون على إنهاء حزب الله سياسياً عبر خلق بديل، بالتعاون مع الدولة اللبنانية. وهذا يتطلب مزيجاً من القوة والسياسة. صحيح أن دعم حزب الله يتراجع، لكن إذا استمرت إسرائيل في قصف كل مبنى يقيم فيه قيادي للحزب واحتلت جنوب لبنان بالكامل، فإن إطلاق هذا المسار السياسي سيصبح شديد الصعوبة.

القاعدة الثالثة: قوة القوي وقوة الضعيف أقرب مما تظن

وزير الدفاع بيت هيغسيث يتباهى بـ «قوة القوي» وبعدد الأهداف التي دمرها في إيران. لكن إذا كنا بهذه القوة، فلماذا تمت مفاجأة إدارة ترامب بارتفاع أسعار النفط بعد أن أطلقت إيران النار على السفن في الخليج والمنشآت النفطية في الدول العربية المجاورة؟

هذا الارتفاع يضغط بشدة على ترامب. ففي عالم مترابط إلى حد مفرط، يكفي لإيران ضعيفة أن تطلق طائرة مسيّرة واحدة يومياً من خلف شاحنة خضار لتعطيل تدفق النفط عبر مضيق هرمز، ودفع أسعار النفط والغاز والأسمدة إلى الارتفاع عالمياً.

هذه الحرب حملت الكثير من المفاجآت السلبية، فهل يمكن أن تحمل مفاجأة إيجابية؟

إذا كان هناك نهاية سعيدة ومستدامة لهذا المشهد العالمي، فلن تكون نتيجة قيام ترامب ونتنياهو بقتل كل قادة «حماس» وحزب الله وإيران أو تجريدهم من كل أسلحتهم. بل ربما تتحقق عندما يضعف هؤلاء بما يكفي لفتح المجال أمام سياسة حقيقية في غزة ولبنان وإيران، عندما يُجبر “رجال السلاح” على أخذ رغبات شعوبهم بعين الاعتبار: العيش بكرامة، الاستفادة من الحداثة، والمشاركة في تقرير مستقبلهم، بدلاً من قضاء حياتهم في «المقاومة».

هذه هي الطريقة الوحيدة لإنهاء هذه الصراعات نهائياً. لكن الطريق طويل جداً... وإذا كنت مستعجلاً، فقد بدأت الحرب الخطأ.