لا يمكن النظر إلى التصعيد الأمني الأخير في الخليج العربي، وما نتج عنه من اعتداءات آثمة طالت دول المنطقة وإغلاق فعلي أو شبه كامل لمضيق هرمز واستهداف السفن والمنشآت، بوصفه أزمة عابرة ضمن دورات التوتر التقليدية. فالأمر يتجاوز ذلك إلى كونه صدمة بنيوية ضربت في عمق النظام الاقتصادي والأمني العالمي، مما يثير تساؤلاً جوهرياً حول ثوابت استقراره.
لم يعد مضيق هرمز مجرد ممر بحري حيوي، بل تحوّل إلى أداة ضغط جيوسياسي تؤثر مباشرة في أسعار الطاقة وسلاسل الإمداد والتضخم العالمي، على نحوٍ لن تتجلى آثاره الحقيقية والأخطر أثناء التصعيد بقدر ما ستظهر في مرحلته اللاحقة. وفي هذا السياق، ستندفع الدول الصناعية إلى تسريع تنويع مصادر الطاقة وتقليل اعتمادها على الممرات الحساسة، في حين ستواجه دول الخليج تحدي تطوير بدائل تصديرية كخطوط الأنابيب والموانئ خارج المضيق، مع ضخامة تكلفتها زمنياً ومالياً، ورغم أنها لن تعوّض -على الأقل في المدى المنظور- الميزة الجغرافية الاستثنائية التي يتمتع بها المضيق.
أما على المستوى الأمني، فإن ما جرى سيجبر دول الشرق والغرب على إعادة تقييم منظوماتها الدفاعية وتعزيز نماذج الردع والأمن الاستباقي فيها، بما يشمل تعزيز القدرات العسكرية الذاتية، وتوسيع التحالفات الإقليمية والدولية، والاستثمار في الأمن السيبراني، فضلاً عن إعادة هيكلة منظومات حماية سلاسل الإمداد. وفي هذا الإطار، لا يبدو أن عسكرة الممرات البحرية ستبقى ظرفاً استثنائياً، بل مرشحة لأن تصبح واقعاً دائماً.
ولعلّ أخطر تداعيات الأزمة تتجسد في تآكل الثقة على مستويين متداخلين: إقليمي ودولي. فاذا استمر النظام الإيراني في توظيف أدوات الضغط الجيوسياسي، وتسييس مسارات الملاحة، فإن ذلك سيكرّس أكثر حالة انعدام الثقة به من قبل دول الخليج، بما يقوّض إمكان بناء ترتيبات صداقة مستقرة ويعزز منطق الردع والخشية من التصعيد. أما على المستوى الدولي، فتتجلى الأزمة في تصدّع ملحوظ داخل المعسكر الغربي، حيث تدفع سياسة البيت الأبيض في كل من أوكرانيا والشرق الأوسط وارتفاع كلفة الطاقة، الدول الأوروبية، بما يشمل المملكة المتحدة، إلى مقاربات براغماتية لا تتفق -ولو جزئياً- مع سياسات الإدارة الأميركية، الأمر الذي يخلق تبايناً في الأولويات بين من يسعى إلى الاستقرار الاقتصادي ومن يركز على إعادة تشكيل موازين القوة. ونتيجة لذلك، لا يقتصر الأمر على اختلاف في السياسات، بل يؤشر إلى شرخ في وحدة الرؤية، بما قد يضعف القدرة الجماعية على إدارة الأزمات، ويؤسس لنظام دولي، واقتصاد عالمي، أقل استقراراً وأكثر خضوعاً لمنطق المصالح، على الأقل لفترة ممتدة لحين انتهاء ولاية الرئيس ترامب.
خلاصة القول، إن ما «بعد هرمز» لن يكون امتداداً سلساً وطبيعياً لما قبله، بل سيشكّل نقطة تحوّل مفصلية تفضي إلى إعادة صياغة موازين القوى الإقليمية والدولية. فنحن بإزاء مرحلة تتسم بتصاعد صراعات النفوذ ومحاولات إعادة تركيز القوة، في ظل استمرار الضغوط التضخمية الناتجة عن اضطراب أسواق الطاقة وسلاسل الإمداد، الأمر الذي سيغدو معه تحصين أمن الطاقة أولوية مركزية للدول، يقابله تراجع ملحوظ في منسوب الثقة بما ينذر بنظام عالمي أكثر هشاشة وأشد خضوعاً لمنطق القوة والمصالح.