في ظل تصاعد العدوان الإيراني على دول الجوار، وتحوّل المنطقة إلى ساحة رسائل نارية تعكس فوضى التفكير الإيراني وراديكاليته، تبرز مواقف الكويت ودول الخليج التي تواجه العدوان وتدير الأزمة بعقل الدولة لا بردة الفعل. وفي هذا المشهد، تقف الكويت موقفاً عقلانياً، لا تنكر التهديد، ولا تنجرّ إليه، بل تتعامل معه بوعي سيادي يرفض أن تتحول أرضها إلى امتداد لصراع لا يخدم أمنها واستقرارها، فليس كل تهديد يُواجه بالتصعيد، ولا كل قوة تُثبت بالانخراط في النار. 

هنا تحديداً تقف الكويت، لا لأنها عاجزة عن الفعل، بل لأنها تدرك أن الانجرار خلف الفوضى ليس بطولة، بل خطأ استراتيجي فادح، فليس كل من حمل السلاح قوياً، ولا كل من امتنع عنه ضعيفاً. الكويت ليست طرفاً في هذه الحرب، ولم تشارك في إشعالها، وهي لا تتحرك بردود الأفعال، بل بعقل دولة تدرك تعقيدات الإقليم وتشابك مصالحه. قيادتها السياسية لم تبنِ موقفها على اندفاع عاطفي أو ضغط إعلامي، بل على قراءة دقيقة لموازين القوى وتقديرٍ واعٍ للعواقب. 

ففي لحظات التوتر تظهر حكمة القيادة الكويتية التي لا تنساق خلف الضجيج، بل تزن كل خطوة بميزان الدولة لا بميزان الانفعال، وهذا ما تفعله الكويت اليوم، حيادٌ محسوب، ربما لا يرضي الجميع، لكنه يحمي الوطن. فالقيادة الحقيقية لا تُقاس بعلو الصوت، بل بقدرتها على اتخاذ القرار الصعب في الوقت الصحيح. الحياد الذي تمارسه الكويت ليس موقفاً رمادياً، بل موقف عقلاني في وجه التهور. إنه رفض صريح لأن تُقحم الدولة في صراع لا تريده، ورسالة واضحة بأن السيادة لا تعني الانخراط في الحرب، بل تعني القدرة على قول «لا» ضد الفوضى والتهور الإيراني. فالجرأة الحقيقية ليست في دخول الحرب، بل في القدرة على رفضها.

Ad

والكويت تحديداً ليست دولة تقرأ الماضي لتنساه، بل لتتجنبه، ومن لا يتعلم من التاريخ يدفع ثمنه مرتين. وفي المقابل، لا يعني هذا الحياد تخلياً عن السيادة أو قبولاً بالاعتداء، فالكويت واضحة في موقفها، فأي مساس بأراضيها مرفوض، وأي تهديد لأمنها سيُقابل بما يلزم. لكنها ترفض أن يتحول الدفاع المشروع إلى ذريعة للانزلاق نحو حرب مفتوحة لا يمكن التحكم في مآلاتها. والفرق هنا كبير بين قيادة تحمي وطنها وشعبها، وبين من فتح أبواب إيران لجحيم من النيران. 

إن الكويت اليوم تمارس نوعاً نادراً من القوة، القوة الناعمة وقوة ضبط النفس، ففي وقتٍ يتزايد التصعيد، تختار الكويت أن تفكر، أن تحسب، وأن تضع أمنها فوق ضجيج اللحظة. وهذا ليس ضعفاً، بل وعيٌ سياسي لا تملكه إلا الدول التي تقودها الحكمة والمسؤولية. ولتفهم إيران أن أخطر القرارات ليست تلك التي تُتخذ تحت الضغط، بل تلك التي تُتخذ دون عقل. 

الكويت لا تحتاج إلى أن تثبت شجاعتها عبر الانخراط في حرب، ولا أن تبرر حيادها لمن يخلط بين الحكمة والتردد. ما تفعله اليوم هو بالضبط ما يجب أن تفعله دولة تعرف قيمة الاستقرار في منطقة لا تعرفه. إنها لا تقف خارج التاريخ، بل تكتب موقفاً مختلفاً فيه، موقف يرفض الانجراف، ويصر على أن السيادة ليست في إطلاق النار، بل في القدرة على منعه. وهكذا، يبقى حياد الكويت ليس مجرد خيار، بل موقف سيادي حاسم في وجه فوضى لا تنتج إلا الخسارة.