تغريدة واحدة فقط يمكن أن تضيّع سنوات من عمرك في السجن! تغريدة واحدة يمكن أن تُكتب في لحظة انفعال أو في غياب معلومة واضحة أو بشكل يتطلب التفصيل لا الإيجاز يمكن أن تقلب حياة كاتبها من حال إلى آخر سيئ ومدمر له ولأسرته سواء كان طفلاً أو كهلاً، رجلاً أو امرأة، فيما يبحث جمهور المحرضين عن ضحية جديدة في حفلة «سعار» تتصدرها معايير التفاعل والمشاهدات، فضلاً عن «أرباح» المنصات الإلكترونية. حفلة سعار المنصات الإلكترونية ليست جديدة وليست مرتبطة فقط بالحرب الإقليمية الحالية الحافلة بالتحريض و«التنبيش» والاستنطاق بل ترجع إلى بداية انتشار وسائل التواصل الاجتماعي وقبلها المدونات، في وقت كان التحريض فيها على «المعارضين» ثم على قضايا الجنسية وصولاً إلى الحرب الحالية... والمؤسف أن ثمة مَن تعرّض للتحريض في فترة معينة يعود ليمارسه في فترة أخرى على فئة مختلفة وكأنه لم يتعلم من الدرس. 

شخصياً أعمل في الصحافة منذ 1995 ومع ذلك لا أزال أدقق وأراجع وأعدل وأستمزج الآراء المهنية والقانونية فيما أكتب خشية الوقوع في محظور ما، خصوصاً في الجانب القانوني، فكيف لأشخاص لا تتوافر لهم البيئة المريحة نسبياً، التي أتمتع بها كصحافي، أن يضيعوا مستقبلهم أو يقطعوا مصدر رزقهم من تغريدة كُتبت في لحظة انفعال سواء تدارك الكاتب الموقف بمسح التغريدة أم لا؟

 لست ميالاً إلى معاقبة أي شخص بسبب حديثه أو كتابته، لكن هل يُعقَل أن يستوي عقاب صاحب التغريدة الوحيدة العابرة من حساب قد يكون أصلاً تاريخه كله مهتماً بالرياضة أو الأفلام أو غيرهما مع مَن دأب على المخالفة الصريحة المتكررة للقانون؟ - بغض النظر عن الرأي بالقانون نفسه - هل يجوز أن يعامل القاصر نفس معاملة الراشد؟ أعلم أن البعض يرى أن هذه المطالبة صعبة التحقق في هذه الأيام، لكن من الضروري أن تتفهم التشريعات والقوانين طبيعة وسائل التواصل الاجتماعي، وتميّز، على الأقل، بين مَن اتخذ مخالفة القانون نهجاً في كتاباته ومنشوراته وبين مَن يكتب تغريدة عابرة أو حتى أحياناً تكون ملتبسة وغير صريحة أو يقع تحت استفزاز جماعة «شتقصد؟»!، من المهم أن يفهم المشرع أن عقاب الناس على تغريدة عابرة لا يمثل حماية للمجتمع بقدر ما يشيع الخوف فيه ويحفز على التحريض و«التنبيش»، وأحياناً خلق تجارة للمشاهدات والتفاعل... وهذا بالتأكيد ليس من مستهدفات أي تشريع أو قانون.

Ad