ليس كلُّ شيعيٍّ متهماً... ومن يصرّ على تحويل هذه العبارة إلى محل شك، فإنما يفتح باباً خطيراً على الوطن قبل أن يسيء لأي مكوّن من مكوناته. في أوقات الأزمات، تُختبر المعادن الحقيقية، لا بالشعارات، بل بطريقة التفكير، وبقدرتنا على حماية وحدتنا من الانزلاق نحو الفوضى الاجتماعية. 

إن أخطر ما يمكن أن يحدث اليوم هو أن يتحول الخوف إلى اتهام، وأن تتحول الشكوك إلى أحكام جماعية، فحين نبدأ بتصنيف الناس على أي أساس غير الوطن فإننا لا نحمي الوطن، بل نمزق نسيجه، ونُضعف جبهته الداخلية، ونمنح خصومه فرصة لا تُقدّر بثمن. 

الوطنية لا تُقاس بالصوت العالي، ولا بالتصريحات النارية، ولا بتوزيع صكوك الولاء. الوطنية الحقيقية هي الثقة بالدولة، والالتزام بالقانون، ورفض تحويل المجتمع إلى ساحة تخوين مفتوحة. 

Ad

نحن في دولة مؤسسات ونعتقد أنها لا تسمح بتحويل الشارع إلى منصة للاتهامات، ولن تترك مواطنيها تحت رحمة الحملات الشعبوية. هناك قانون واضح: مَن يخالف يُحاسب، ومَن يلتزم فهو مواطن كامل الحقوق، أما أن نُعمم الشبهة، فهذا سقوط أخلاقي قبل أن يكون خطأً سياسياً. 

إن ربط المذهب بالولاء هو أخطر انزلاق يمكن أن نسمح به، لأنه يخلق شرخاً عميقاً في المجتمع، ويحوّل التنوع إلى تهديد، بدلاً من أن يكون مصدر قوة. الكويت لم تُبْنَ على الإقصاء، بل على التعايش، ولم تستمر إلا لأن أبناءها، رغم اختلافاتهم، يعرفون أن مصيرهم واحد. الخطر الحقيقي ليس فقط في الصواريخ أو التهديدات الخارجية، بل في هذا الخطاب الذي ينخر الداخل بصمت. فالدول لا تنهار فقط حين تُهاجم، بل حين يفقد أبناؤها الثقة ببعضهم. وعندها، لا يحتاج العدو إلى جهد كبير، لأن الانقسام يتكفل بالباقي. توحيد الجبهة الداخلية ليس ترفاً، بل هو واجب وطني، ولا يتحقق عبر الشعارات، بل عبر موقف واضح: لا للتخوين، لا للتصنيف، لا لمحاكم النوايا. نعم لدولة تحمي جميع أبنائها، وتُخضع الجميع لميزان القانون دون استثناء. المسؤولية اليوم مشتركة. على بعض مستخدمي وسائل التواصل الاجتماعي أن يتوقفوا عن تغذية الانقسام، وعلى النخب أن ترتقي بخطابها، وعلى كل فرد أن يدرك أن الكلمة قد تكون سلاحاً أخطر من أي تهديد خارجي. فإما أن نكون صوتاً للوحدة، أو نكون جزءاً من الأزمة. 

نقولها بوضوح: الوطن لا يُحمى بالخوف من بعضنا، بل بالثقة التي تجمعنا، ولا يُبنى بالتخوين، بل بالعدالة التي تضمن كرامة الجميع، ومَن يختار غير هذا الطريق، فإنه لا يحمي الوطن، بل يضعف أساسه، ويفتح الباب لما لا تُحمد عقباه.