الحروب ليست مجرد صدام عسكري، بل سرعان ما تتحول إلى كوارث بيئية شاملة تهدد الهواء والمياه والتربة، كما وجدت الكويت نفسها في كابوس بيئي بعد الغزو العراقي الغاشم عام 1991، ونحن الآن في الكويت وسائر دول الخليج نواجه نفس التهديد البيئي في ظل الحرب الإيرانية - الأميركية وتصاعد العدوان الإيراني على الكويت.

تُعد السماء أول ضحايا هذه الحرب، حيث تتصاعد أعمدة الدخان الأسود المحملة بالسموم من حرائق المنشآت النفطية والمصافي في إيران ودول الخليج. هذه الحرائق تطلق مزيجاً معقداً من الملوثات، تشمل ثاني أكسيد الكبريت الذي ارتفعت مستوياته خمسة أضعاف بعد القصف، كما ترتفع نسب أكاسيد النيتروجين، والديوكسينات، والجسيمات الدقيقة التي تؤثر على الجهاز التنفسي بسبب العمليات العسكرية الدفاعية في المنطقة. الرياح لا تعترف بالحدود، فهذه السحب الملوثة قد تنتقل بسهولة إلى أجواء الكويت، مما يهدد صحة السكان ويزيد من أمراض الربو والحساسية، خاصة بين الأطفال وكبار السن.

غير أن الخطر الأكبر يكمن في البحر، فمياه الخليج العربي الضحلة وشبه المغلقة قد تتحول إلى مستودع للتلوث، فقد أدت الهجمات على ناقلات النفط والسفن التجارية، والتي بلغت نحو 12 ناقلة، إلى تسربات نفطية قد تهدد النظام البيئي البحري الفريد للخليج العربي. هذه البقع النفطية السوداء لا تقتل الشعاب المرجانية والسلاحف البحرية والطيور فحسب، بل تدمر مصائد الأسماك التي يعتمد عليها الآلاف، وتلوث الشواطئ لسنوات قادمة، وبما أن الخليج يمر عبر مضيق هرمز فإن استمرار عمليات الهجوم العسكرية بشكل مكثف يمكن أن يتسبب في كارثة بيئية شاملة تهدد التنوع البيولوجي في المنطقة.

Ad

وتتضاعف المأساة باستهداف البنية التحتية الحيوية التي تتعلق ببقاء الإنسان، فمحطات تحلية المياه، التي توفر أكثر من 90% من مياه الشرب في الكويت، تمثل خطاً أحمر، وأي ضرر لهذه المحطات قد يؤدي إلى تسريب مواد كيميائية خطيرة، مثل هيبوكلوريت الصوديوم وحمض الكبريتيك، إلى مياه الخليج، وفي الوقت نفسه يقطع شريان الحياة عن الملايين، كما أن استخدام أسلحة تحتوي على الفوسفور الأبيض أو اليورانيوم المنضب يضيف بعداً إشعاعياً وكيميائياً طويل الأمد، حيث تظل هذه السموم في التربة والمياه البحرية والجوفية لعقود.

إن ما تمر به الكويت اليوم هو اختبار لحماية بيئتها وشعبها، وهو ليس بصعب طالما تضافرت الجهود ممثلة في جهات الدولة المختلفة المعنية بمراقبة المؤشرات البيئية، وطمأنة الناس بأمن واستقرار الوضع البيئي بالكويت، في ظل الجرح البيئي الذي قد تحدثه هذه الحرب، فالشفافية والاستباقية في نشر المعلومات البيئية الدقيقة من قبل الجهات المختصة، كالهيئة العامة للبيئة، باتت أمراً ضرورياً لدحر الشك ونشر الإشاعات أو التكهنات المغلوطة.

حفظ الله الكويت وشعبها من كل مكروه.

* كلية العلوم - جامعة الكويت