بعد إعلان تلفزيون دولة الكويت القبض على خلية إرهابية، لم يكن المشهد عابراً كما تمرّ الأخبار عادة، بل كان لحظةً كاشفة.خرج المذيع من نبرته الهادئة، وتخلّى عن تلك الدبلوماسية الإعلامية، ليُظهر استياءه بوضوح صريح. لم يتردّد، ولم يتلعثم، بل قالها بوعي كامل: «لن أقول مواطنين... بل خونة». كانت الكلمة حاسمة، تختصر الموقف، وتفتح في الوقت نفسه باب السؤال الأعمق: ما الذي يدفع إنساناً أن يخون وطنه؟!
إن الانحدار إلى الخيانة أو الانخراط في خليةٍ إرهابية ليس قفزةً مفاجئة، بل هو طريقٌ متدرّج يبدأ بمُعتقد فاسد، ثم يتسع شيئاً فشيئاً حتى يبتلع صاحبه. البداية غالباً تكون من جحود داخلي في الشخص، يعمي عينيه من رؤية النعم. حتى وإن عاش في دُرّة الخليج وفي أغنى دول العالم، فلن يستطيع أن يرى ذلك! فيتولّد داخله شعورٌ وهمي بالنقص. ثم يتحوّل إلى قناعةٍ راسخة بأنه مهزوم، وأنه يستحق أكثر من ذلك!
بعدها يبدأ هذا الفرد في البحث عمّن يشاركه هذا الإحساس المريض. هنا تتلقفه الأحزاب الخبيثة التي تسعى للتوسع والهيمنة بقوة السلاح - على أكتاف الخونة - ثم يبدأ تجنيده.
تذكر بعض التقارير الأمنية والدراسات في «علم الاستخبارات» أنّ أي تنظيم يعمل خارج حدوده يعتمد على أنماط تجنيد متكرّرة. لا يبدأ بطلبٍ مباشر، بل بمرحلة طويلة من الاستقطاب غير المعلن. يُبحث عن أشخاص لديهم قابلية معيّنة: شعور بالظلم، أو ضعف في الانتماء، أو انجذاب لأفكار أيديولوجية أو نزعة عنصرية متطرفة. هذا لا يعني أنّ كل من يحمل رأياً مختلفاً يُستهدف، لكن وجود الجحود والقابلية للعداء والانتقام هو المدخل الأساسي.
بعد ذلك تأتي مرحلة بناء العلاقة. قد تكون عبر دوائر اجتماعية، أو خلال سفر، أو عبر الفضاء الرقمي. في هذه المرحلة يُقدَّم الاهتمام والدعم المعنوي، ويُعطى الشخص شعوراً بأنه «مهم» أو «مقدّر». وهذا الجانب النفسي هو المفتاح، لأنّ كثيراً من حالات التجنيد لا تقوم على المال فقط، بل على الحاجة للانتماء وتقديس المهمة، وبيع المناصب الوهمية.
ثم تبدأ مرحلة التأطير الفكري، حيث يُعاد تشكيل وعي الشخص تدريجياً. يُطرح خطاب يركّز على «قضية كبرى» أو «مظلومية» أو «صراع ديني»، ويُدفع الفرد ليرى نفسه جزءاً من هذا الإطار. ومع الوقت، تتقدّم هذه الهوية الجديدة على هويته الوطنية، ثم يحدث ما يسمّى “تضارب الولاءات”.
بعد ذلك يأتي التدرّج العملي. لا يُطلب من الشخص في البداية شيء خطير، بل مهام بسيطة: نقل معلومات، تسهيل تواصل، أو دعم إعلامي. هذه الخطوات تُستخدم لاختبار الالتزام وكسر حاجز الخوف. ومع كل مرحلة، يزيد مستوى الطلب تدريجياً. بعدها يكتمل «الانفصال» لدى هذا العميل «المُجنّد»، ويظن أنه أصبح أكبر من وطنه، وأنه صاحب رسالة مقدّسة، ولا يدري أنه قد تحوّل إلى عنصر رخيص في خلية إرهابية، تحركها قوى خارجية خبيثة تسعى للتوسع والهيمنة - على أكتاف الخونة أمثاله. وهنا ندرك أن الخائن لم يصل إلى هذه المرحلة إلا بعد عقيدة لم تُصحَّح، ونعمةٍ لم تُحمد.