مع إشراقة شمس العيد، تتزين الدنيا بأجمل حللها، وتحمل إلينا نسمات الصباح عبق الفرح الممزوج بشذى الذكريات. غير أن العيد هذا العام يأتي والعالم من حولنا يموج بأخبار لا تشبهه، مسيرات تخترق صمت سمائنا، وصواريخ تشق آفاقاً باتت أقرب مما نظن، ونشرات تثقل القلوب حتى تضع قلق الغد في فنجان قهوة الصباح. ولأن كل شيءٍ قابل لإعادة التشغيل حتى نحن. ففي هذا العيد، نأخذ لحظة تأمل، نراجع فيها فرحتنا، ونتأمل معنى السكينة في زمن الضجيج، ونسأل أنفسنا: هل نستمر بهذه النظرة للعيد، أم نضغط زر «ريستارت» ونبدأ سعادتنا من جديد؟
غير أن العيد في عمقه الإنساني ليس احتفالاً سطحياً، بل محطة نعيد فيها برمجة مشاعرنا على أن الفرح ممكن رغم كل شيء. لم يعد ضجيج العالم همساً، إنما ثقل يقرع القلق في كل اتجاه، ومع ذلك تبقى السكينة الحقيقية في قدرتنا على حماية مساحتنا الداخلية، والتمسك بجوهر العيد كفعل إنساني مقاوم. هكذا ظلت الأعياد عبر التاريخ مساحة يتشبث بها الإنسان ليؤكد أن الفرح حق لا تسقطه الظروف.
في قلب هذا الضجيج، تبرز نعمة لا تُقدر بثمن، حين نقف لنتأمل معنى الأمان، فإذ نرى صور بلاد تتقاسمها النيران، ندرك كم نحن في كنف وطن لا يشبه أوطان كثيرة. ليس الأمان هنا مجرد زوال الخطر، بل حضور دولة تسهر على راحتنا، ويقظة قيادة لا تنام لتنام أعيننا، وتجعل طمأنينتنا أولوية لا تعلوها أولوية.
نستقبل العيد في هذا الوطن الذي يمد ظله علينا فيمنحنا الاستقرار، فلا تقطعه صفارات الخوف، ولا تخترق سماء أطفالنا مسيرات القلق. تدور أفراحنا في فضاء آمن، مطمئنين أن بهجة العيد لن ينغصها إنذار، ولا يعكر صفوها طارئ. هنا يبلغ العيد تمام معناه، حين يلتقي صفاء القلب بأمان الوطن، وتمتزج طمأنينة الروح باستقرار الأرض، فالعيد ليس زينة تعلق ثم تزول، بل هو شعور عميق بالانتماء إلى وطن يصونك، وقيادة رشيدة تحرس تفاصيل حياتك بصمت لا يضج وعطاء لا ينقطع.
نحتفل ونحن نعلم أن هذه السكينة لم تأت مصادفة، بل قامت على وعي وتدبير ورعاية تمتد خلف المشهد. إنها نعمة لا توزن بميزان، ولا يدرك قدرها إلا من عرف كيف يكون العيد بلا أمان.
فلنضغط هذا العيد زر «ريستارت» لنُعيد تشغيل إحساسنا بقيمة الأمان الذي نعيشه، ونُعيد توجيه وعينا نحو الامتنان لهذا الوطن. لنبدأ من جديد بقلوب تعرف قدر النعمة، وبروح أكثر إدراكاً لما نملكه من استقرار. هنا لا يكون العيد مناسبة عابرة، بل لحظة وعي صادقة ندرك فيها أن الفرح الحقيقي لا يكتمل إلا حين يجتمع سلام الداخل مع أمان الخارج.
كل عام وأنتم في طمأنينة دائمة، وفي ظل وطن يحتضنكم. دام عزكم ودامت فرحتكم عامرة.