الموقف ليس دائماً صوتاً عالياً يُسمع، بل قد يكون صمتاً ثابتاً يُشبه الجبال، حضوراً لا يحتاج إلى ضجيج ليُثبت نفسه. هكذا كانت الكويت دائماً... لا تُعرَف بكثرة الكلام، بل بصدق الموقف وثباته.

وفي القلب اليوم غصّة لا تخفى، غصّة على الكويت، وعلى طيبتها التي لم تتردد يوماً في أن تقف بوضوح أمام العالم، تعلن مواقفها بلا لبس ولا تردُّد. هذا الوطن الصغير في مساحته، الكبير في أثره، ظلّ عبر السنين صوتاً يرفض الاعتداء، ويقف مع الحق حيثما كان، في المحافل السياسية، وساحات العمل الإنساني، وفي كل أزمة تمسُّ كرامة الإنسان.

لم تكن الكويت يوماً بلداً ينتظر أن يُطلب منه الوقوف، ولم تكن ممن يترددون في نُصرة الحق. كانت دائماً في الصف الأول، أول مَنْ يبادر، وأول مَنْ يمد يده، لا طلباً لمجد، ولا حساباً لمصلحة، بل إيماناً عميقاً بأن الأخوّة مسؤولية، وأن الحق لا يُترك وحيداً في مواجهة الظلم.

Ad

ولعل ما يوجع القلب اليوم أن نجد الكويت- ولو في عناوين الأخبار- تُذكر في سياق حرب ليست حربها، وفي صراعٍ لا يشبه روحها. أن تُوضع في منتصف طريقٍ بين جارٍ مسلم وعدوٍّ تاريخي، وكأنها طرفٌ في معركة لم تخترها. يؤلمنا أن تتكاثر الأخبار بلغة الغضب والانتقام، وأن تمتد ظلالها حتى إلى مَنْ لم يكن لهم من الأمر شيء، سوى أنهم جزء من مشهد أكبر منهم.

ليست هذه الكلمات نبرة تشاؤم، بل محاولة لفهم ثقل اللحظة. فالكتابة أحياناً تُشبه البلسم، تمنح الأسئلة حقها في الظهور، وتفتح نافذةً للقلق كي يتنفس، لعل الهواء الواسع يخفف وطأته.

ورغم كل ذلك، تبقى الكويت كما عرفناها دائماً: شامخة بثبات رجالها، راسخة بحكمة قيادتها، عالية بكرامتها التي لم تعرف الانحناء. وطنٌ قد تعصف به الرياح، لكنه لا يسقط، لأن جذوره ليست في الأرض وحدها، بل في قلوب أبنائه.

وفي مقابل ما في القلب من وجع، يقف فخرٌ لا يقل عُمقاً، فخرٌ برجال الصفوف الأولى، برجال الداخلية الساهرين، وبالجيش الحامي، وبقوات الدفاع التي تقف سداً منيعاً. هؤلاء الذين يذكِّروننا كل يوم أن الأوطان لا تُحفظ بالحدود وحدها، بل بالرجال الذين يقفون على أبوابها ليمنعوا الخوف من الدخول.

ومن خلفهم يقف شعبٌ لم يفقد إيمانه بوطنه يوماً، شعبٌ يلتف حول الكويت كما تلتف الأم حول طفلها، يحميها بدعائه، ويصونها بوحدته، ويتعلَّم من كل أزمة درساً جديداً في الصبر والتماسك والأمل.

وفي مواجهة كل هذا الضجيج، تعود الكويت إلى بوصلتها الحقيقية: إنسانيتها. كويتٌ لم تعتدِ على أحد، ولم تبنِ قوتها على أذى أحد، بل ظلت دائماً منارة سلام وصوت حق.

إن الكويت، بكل ما تحمله من شموخ، لا تعرف إلا أن تكون كما هي:

وطناً نظيف اليد، ثابت الموقف، قوياً بالعزّة التي تنبض في صدور أبنائه.

وإن كان في القلب غصّة اليوم، ففي الروح يقينٌ أكبر: أن الكويت ستبقى بخير، لأنها- ببساطة- لا تشبه إلا الخير.