في ظل التحولات التشريعية التي تشهدها دولة الكويت، والتي ترسم ملامح المستقبل، بزغ نجم المرسوم رقم 11 لسنة 2026، ليكون بمنزلة وثيقة قانونية تكفل كرامة الإنسان، وتعكس وعياً متقدماً بأهمية توفير بيئة آمنة قائمة على الكرامة الإنسانية والعدالة، وتشكِّل نقلة نوعية في منظومة الحماية الاجتماعية، خصوصاً فيما يتعلق بحقوق المرأة، باعتبارها من أكثر الفئات تأثراً بممارسات العنف داخل نطاق الأسرة.

إن صدور قانون العنف الأسري الجديد جاء إضافة للتشريعات، وخطوةً جسورة نحو صون «عماد المجتمع» من رياح الأذى والعنف، حيث لم يعد العنف مجرَّد كدمةٍ تظهر على الجسد، بل غاصت نصوصه في أعماق النَّفس الإنسانية، لتجرِّم الأذى الخفي الذي يطول الروح والمال والخصوصية، وليشمل مختلف أشكال الإيذاء الجسدي والنفسي والجنسي والمالي والبدني، وهو ما يُعد تطوراً مهماً في الاعتراف القانوني بأن العنف لا يقتصر على الأذى البدني فقط، بل يمتد ليشمل أنماطاً خفية من الممكن أن يكون لها تأثير على المرأة أو أفراد الأسرة حتى الدرجة الثانية، مؤكداً أن عباءة الحماية يجب أن تشمل بيت الأسرة، ليكون ملاذاً للسكينة، لا ساحةً للاستقواء.

وتجاوز هذا القانون حدود التجريم، ليرتقي إلى آفاق الاحتواء، من خلال إنشاء مراكز للإيواء متخصصة تقدِّم الدعم النفسي والقانوني والاجتماعي. ولم يغفل المشرِّع الجانب المادي، فاستحدث صندوقاً لرعاية أصحاب الشكاوى، بما يضمن توفير الدعم المادي والمعنوي لهن والوقاية والحماية والتأهيل.

Ad

كما جاء القانون ليحطم جدران الصمت العقيم، فجعل الإبلاغ عن العنف واجباً أخلاقياً وقانونياً، حيث ألزم الجميع بالإبلاغ عن حالات العنف، مع توفير الحماية القانونية للمبلغين وضمان السرية التامة، وهذا من شأنه أن يشجع النساء على كسر حاجز الصمت من دون خوف من الوصمة الاجتماعية أو الانتقام، وهو ما تمثل في استحداث أوامر الحماية المستعجلة، التي تُتيح إبعاد المعتدي فوراً، ومنعه من التواصل مع الضحية، وإلزامه بتوفير سكن بديل، أو دفع نفقة مؤقتة وتكاليف العلاج. 

أما ما جاء بمجال منع التنازل أو الصلح في بعض الجرائم الخطيرة، مثل الإيذاء الجنسي أو العنف ضد الأطفال، فقد أكد هذا الأمر صراحةً أن كرامة الإنسان لا يمكن أن تكون محل مساومة، وهو حق أصيل للفرد. فنرى القانون يركِّز على مبادئ أساسية في حقوق الإنسان، من أبرزها: الحق في الأمان، والحق في الكرامة، والحق في الخصوصية، حيث حظر نشر أي معلومات أو صور تتعلق بقضايا العنف الأسري، حفاظاً على سُمعة الضحايا وحياتهم الخاصة.

ختاماً، يمكن القول إن قانون الحماية من العنف الأسري هذا يمثل خطوة متقدمة نحو تمكين المرأة وحمايتها، ويؤسس لثقافة قانونية وإنسانية ترفض العنف بكل أشكاله. إنه دعوةٌ لبناء وطن لا تُهان فيه امرأة، ولا يُظلم فيه ضعيف، لتكون المرأة شريكةً في صياغة المجد، متمتعةً بكامل حقوقها تحت سقف آمن من القانون والعدالة، لا ضحية صامتة.