من شدّة الوجع في ضرسه، شعر المواطن «كاف» بزوال النعم والشباب، فقرَّر أن يتبنَّى مشروع الزواج الذي لطالما راوده. وبمراجعة عيادة الأسنان وقعت عيناه على الدكتورة «كافه»، فاندهش لجمالها ورقَّتها. وبحُكم تشابه حروف اسميهما، تيقَّن «كاف» أنه وجد شريكة حياته، كما تيقَّن- من دون بيّنة تُذكر- أن الدكتورة «المتعلمة الفاهمة» قد بادلته الحُب من أول نظرة. فقرَّر أن يرفع الكلفة والتكلُّف، وخاطبها من غير لقب، قائلاً:

يا كافتي ويا كفتتي، اشعلتي قلبي بعيونك

فاشلعي ضِرسي فدىً لك، ما غلا ضرسٌ دونكْ...

Ad

فضحكت الدكتورة قبل أن تقلع له ضرس عقله، وهو هائمٌ بعيونها.

ثم تفحَّص اسم عائلتها المعلَّق كوسامٍ على صدرها، وعرف أنها من عائلة مرموقة ونبيلة، وخشي أن يتم رفضه في الزواج لأنه ليس من سلالة بطن «دال»، ولا من أعيان فخذ «قاف». فمن المُسلَّمات أن العوائل من «ألف» إلى «قاف» تتمتع بنسبٍ وأصالةٍ تسر السامع، إلا أن كل مَنْ يأتي من سلالة «كاف» وصولاً إلى «ياء» فعليهم السلام، وفي هذا كتب ودراسات وشهود، بل وحتى خرائط.

ورغم المطالب المُلحَّة من بعض الأُسر بأن ترفع الحكومة الحرج عنهم في مسائل الزواج والزوارات وصحون اللقيمات بوضع لوائح تنظِّم أمور الأصل والفصل، إلا أنه- مع اندلاع الحرب وضرورة رص الصفوف- أغلقت السُّلطات الباب أمام هذه المطالب، وتيمماً بتوجهات حكومته غازل «كاف» حبيبته، منشداً:

يا كُفْتَتي، قَبّلي كافاً فحلاً لميادينِ الوِفاقْ

نوحّدُ النَّسلَ في الحربِ، فيسلمُ الوطنُ من الشِّقاقْ.

فردَّت عليه «كافه»:

النَّسل مثل الضرس، لا طاح ما ينشرا

والمندس لو تخبى، الحق يوم ينشره

والخيل أصله يبان، وشهادته ما تنشرى

أثبت معدنك أول، ثم احكي عن الوفا

وهنا انصرف ذهن «كاف» إلى أنساب الخيول العربية، فبات مهووساً بالبحث فيها، حتى اكتشف أن أصولها محصورة في ثلاث سلالات شهيرة، وأن أمرها اليوم يُحسم بالبصمة الوراثية، فلم يبقَ أمامه إلا أن يحدِّد نسبه: أهو من أشرفها «الحجازي»، أم من أيمنها «النجدي»، أم من أحسنها «الجزيري»؟ فتوكَّل على الله، وتقدَّم بطلب فحص البصمة الوراثية للخيول، داعياً ربَّه ألا يكون من أفشل السلالات، وهي «الإفرنجي».

وسعياً لتوطئة علاقته بالدكتورة «كافه»، زار «كاف» عيادتها يومياً، ليتأمَّل جمال عينيها. وبهذه الطريقة ضحَّى بنصف أسنانه من غير مبالاة، وكلما اقتلعت له ضرساً، أتاها مبتسماً ببيت شعرٍ هزيل.

وما زال «كاف» ينتظر حتى يومنا هذا نتيجة البصمة الوراثية، وهو يعلم تماماً أن التأخر سببه الحرب اللعينة التي سلبته سعادته كما سلبت سعادة كل مسلم في عيد الفطر، وكل عام وأنتم بخير.