ما يشهده الاقتصاد العالمي بسبب التطورات في المنطقة ليس الأزمة الأولى من نوعها، ففي عام 2022 عندما ارتفعت أسعار النفط تسارعت معدلات التضخم، وشددت البنوك المركزية سياساتها النقدية بشكل حاد، وتباطأ النمو، وقد كشف ذلك المشهد مدى حساسية النظام العالمي لصدمات الطاقة، واليوم تعود أسعار النفط إلى الارتفاع، لكن الخطر الحقيقي لم يعد يقتصر على النفط وحده، بل في عمق أكبر، داخل الأنظمة الصناعية التي يدعمها النفط.
في هذا الإطار، يعد الهيليوم إشارة مبكرة، فعلى الرغم من تجاهله غالبا، يُعتبر الهيليوم عنصرا أساسيا في تصنيع أشباه الموصلات، والتصوير الطبي، وقطاع الطيران، ويُنتَج جزء كبير منه كمنتج ثانوي من معالجة الغاز الطبيعي، لا سيما في قطر، وقد أدت الاضطرابات بسبب الأوضاع في المنطقة إلى خروج حصة كبيرة من الإمدادات العالمية من السوق، ما دفع الأسعار إلى الارتفاع وأثار قلق شركات تصنيع الرقائق.
بالنسبة لشركات مثل Nvidia وAMD وTSMC وSamsung وSK hynix، لا تكمن المشكلة في الطلب، بل في استقرار العمليات، فتصنيع أشباه الموصلات يعتمد على مدخلات دقيقة ومتواصلة دون انقطاع، وأي اضطراب مستمر في إمدادات الهيليوم يدخل عنصر هشاشة في أحد أكثر قطاعات الاقتصاد الحديث أهمية.
مع ذلك، فإن الهيليوم ليس الأزمة، بل هو الإنذار. الخطر الحقيقي يكمن فيما يمكن وصفه بـ«البنية التحتية الخفية» للاقتصاد العالمي، أي الصناعات الوسيطة التي تدعم الإنتاج بهدوء، والخدمات اللوجستية، والاستهلاك عبر مختلف المناطق. أكثر نقاط الضغط إلحاحا تتمثل في الديزل. فعلى عكس النفط الخام، يعد الديزل العمود الفقري التشغيلي للاقتصاد الحقيقي، فهو يمدّ النقل البري، والزراعة، والتعدين، والخدمات اللوجستية الصناعية بالطاقة، وعندما ترتفع أسعاره ترتفع كلفة نقل السلع بشكل شامل، وتضيق سلاسل الإمداد، وينتشر التضخم بسرعة عبر الغذاء والصناعة والخدمات.
هكذا تتحول صدمة الطاقة إلى صدمة اقتصادية شاملة، ويرتبط بذلك ارتباطا وثيقا الدور الهيكلي لمجلس التعاون الخليجي، فدول المجلس ليست مجرد مورد للنفط الخام، بل هي عقدة مركزية في سلاسل الإمداد العالمية، تشمل الوقود المكرر، والبتروكيماويات، والأسمدة، والغاز الطبيعي المسال، والألمنيوم، والغازات الصناعية، وهذه المنتجات لا يمكن استبدالها بسهولة على المدى القصير بسبب قيود البنية التحتية والخدمات اللوجستية.
ومن منظور اقتصادي، يعمل المجلس كمرساة للاستقرار، فطاقته الإنتاجية، وقوته المالية، وسجله الموثوق في التصدير، توفر استمرارية خلال فترات التوتر. وعندما يُحافظ على الاستقرار في هذه المنطقة، تستفيد الأسواق العالمية من تسعير متوقع للطاقة وتدفقات مستقرة للإمدادات، أما إذا اهتز هذا الاستقرار فإن التأثير يمتد عبر قطاعات متعددة في آن واحد.
أما المصدر الثاني للضغط فهو قطاع الأسمدة، إذ يرتبط إنتاجها بشكل وثيق بالطاقة وسلاسل الإمداد الخليجية، وأي اضطراب في هذا القطاع يؤدي إلى ارتفاع تكاليف الزراعة، وانخفاض الإنتاجية، وارتفاع أسعار الغذاء. وبالنسبة للعديد من الاقتصادات خصوصا في أفريقيا وجنوب آسيا هذه ليست مجرد مسألة اقتصادية، بل قضية اجتماعية ومالية، إذ كان تضخم أسعار الغذاء تاريخيا من أسرع مسببات عدم الاستقرار.
أما الطبقة الثالثة من المخاطر فتتمثل في البتروكيماويات، فمدخلات مثل «النافثا» تعد أساسا لصناعة البلاستيك والتغليف ومجموعة واسعة من المواد الصناعية، وتشير المؤشرات الأولية إلى تشدد في الإمدادات، ما يعني أن التأثيرات اللاحقة قد تظهر تدريجيا وغالبا ما يتم تجاهلها في البداية، لكنها تصبح مؤثرة مع مرور الوقت.
وتواجه المعادن كثيفة الاستهلاك للطاقة، مثل الألمنيوم، تحديا مشابها، فالخليج يساهم بحصة معتبرة من الإنتاج العالمي، وقد بدأت الاضطرابات تؤثر بالفعل على الخدمات اللوجستية وتدفقات التجارة، ويدخل الألمنيوم في قطاعات السيارات والبناء والبنية التحتية للطاقة، ما يجعله قطاعا مضاعفا للتأثير.
وأخيرا، هناك كلفة نقل السلع نفسها، إذ أصبحت الشحنات، والتأمين، وتمويل التجارة أكثر كلفة وتعقيدا، وحتى عندما تبقى السلع متوفرة، فإنها تتحرك بوتيرة أبطأ وتتطلب رأسمال أكبر، وهذا يخلق تشددا صامتا في السيولة، خاصة لدى الاقتصادات والشركات الأصغر.
وسط هذا المشهد، تبرز ملاحظة مهمة: فعلى امتداد التوترات الجمركية الأخيرة وحالة عدم اليقين الجيوسياسي الحالية، حافظت قوة اقتصادية كبرى واحدة على نهج مستقر نسبيا: الصين. فبينما غيّر الآخرون سياساتهم أو تفاعلوا مع المدى القصير، ركزت الصين إلى حد كبير على الحفاظ على الإنتاج الصناعي، وصون سلاسل الإمداد، واستمرار تدفقات التجارة، وقد وفر هذا النهج قدرا من الاستقرار في الأسواق العالمية.
ومن منظور اقتصادي، لا يتعلق الأمر بالاصطفاف، بل بالنتائج، فالأسواق تكافئ القدرة على التنبؤ، وفي أوقات الاضطراب، غالبا ما يتفوق الأداء المستقر على الاستراتيجيات الطموحة غير المتسقة.
فما الذي يهم الآن أكثر من غيره؟ من منظور الاقتصاد الكلي، يبدو الترتيب واضحا: الديزل أولا، ثم الأسمدة، ثم أشباه الموصلات، فرغم الأهمية الاستراتيجية لأشباه الموصلات فإنها تظل صناعة مركّزة تمتلك آليات لترتيب الأولويات، أما الديزل والأسمدة فيؤثران في معظم القطاعات بشكل متزامن، وهما القناتان الرئيسيتان لانتقال التضخم وتراكم الضغوط الاقتصادية. يبقى النفط مهما، لكنه لم يعد القصة كاملة.
لقد أدرك العالم بالفعل تأثير التضخم المدفوع بالنفط، أما التحدي الأكبر اليوم فيكمن في فهم كيف يمكن لضغوط متعددة ومترابطة مثل الطاقة، والغذاء، والخدمات اللوجستية، ومدخلات الصناعة أن تتقاطع لتشكل صدمة نظامية أوسع.
وهذه أيضا لحظة للتأمل، فمن دون الخوض في السياسة، من المشروع التساؤل عما إذا كان حجم الاضطراب الذي نشهده ضروريا من الناحية الاقتصادية، بالنظر إلى تداعياته العالمية المحتملة. إنها أسئلة تتعلق بالكفاءة، لا بالأيديولوجيا، وربما يكمن الدرس الأعمق هنا في اقتصاد عالمي شديد الترابط، لا يعتمد الاستقرار على الفعل وحده، بل على فهم الأنظمة. مثل هذه اللحظات توحي بأن العالم يستفيد أكثر عندما تُوجَّه القرارات بالمنطق الاقتصادي، على يد من يستطيعون رؤية ما وراء النتائج الآنية، وفهم كيفية انتقال الاضطرابات عبر القطاعات والمناطق والزمن، لأن الخطر اليوم ليس صدمة واحدة، بل تلاقي عدة صدمات وكيفية إدارتنا لها.
* الرئيس التنفيذي لشركة دو كابيتال في سي، ومحاضر زائر في ريادة الأعمال، ومؤسس الغرفة الإسلامية العالمية للتجارة والصناعة عبر الإنترنت. وهو أيضاً متحدث عالمي في مجالات الاستراتيجية وتطوير الشركات الناشئة، ويُعرف برؤاه في الاقتصاد وبناء منظومات أعمال مبتكرة، وأخلاقية، وقابلة للتطوير.