دخلت الحرب الروسية الأوكرانية، أواخر الشهر الفائت، عامها الخامس، ولا تزال المعارك على جبهات القتال محتدمة، والقوات المتحاربة بين كر وفر، ولا تزال الأراضي الأوكرانية التي استولت عليها روسيا تحت سيطرتها، وتسعى القوات الأوكرانية إلى تحرير أراضيها واستعادة السيادة عليها، ولكن الأوضاع معقدة سواء على الجبهات الداخلية، أو على الجبهات الدولية. فلم تنجح حتى الآن جهود الاتحاد الأوروبي مضافا إليها مؤخرا جهود الحكومة البريطانية، ولا جهود الإدارة الأميركية، ولا جهود المجتمع الدولي، في إيجاد حلول لوضع حد للاعتداءات الروسية، والوصول إلى نهاية لهذه الحرب وبشكل يقبل به كل من الطرفين المتحاربين، والأهم إيجاد وسيلة تحول دون اندلاع حرب جديدة بين الدول الأوروبية التي تخيلت مع نهاية الحرب العالمية الثانية، وانتصار الحلفاء على ألمانيا النازية وإيطاليا الفاشية، بأن زمن الحرب والاقتتال قد ولى، ولكن جاءت الصدمة الأولى مع الحرب الأهلية في يوغوسلافيا السابقة في تسعينيات القرن الفائت، وها هي الصدمة الثانية تتمثل في الحرب الأوروبية الجديدة الناتجة عن غزو روسيا الاتحادية لأراضي الجمهورية الأوكرانية.
ولكن ما يعنينا أكثر في هذه الأيام، وما يجعلنا نشعر بالحزن والقلق، وما يدفعنا إلى الترقب والحذر هو الاعتداءات التي تقع يومياً وعلى وتيرة مستمرة على دول مجلس التعاون لدول الخليج العربية، ونحن نرى كيف أصبحت العديد من عواصم ومدن ومناطق هذه الدول عرضة للمسيَّرات وللهجمات الصاروخية الإيرانية، والاعتداءات الصارخة على سيادة هذه الدول ومختلف منشآتها، في الوقت الذي لم تشارك أي دولة خليجية في أي عملية عسكرية هجومية، بل اكتفت بالدفاع عن أراضيها وحماية مواطنيها ومن اختار أن يعيش في كنفها، فهي ضحية اعتداءات سافرة تأتي في أيام من المفروض أن تكون أيام تراحم وتآخ وسلام بين البلدان الإسلامية وهي تعيش أيام شهر رمضان المبارك.
ولا بد أن نشير، وبالعودة إلى الحرب الروسية الأوكرانية، وعلاقتها بالاعتداءات السافرة على دول مجلس التعاون، إلى الخبرة التي اكتسبتها أوكرانيا من هذه الحرب على صعيد المسيَّرات الاعتراضية التي نجحت في تصنيعها وتطويرها وبتكلفة أقل من المسيَّرات المعادية التي تستهدف هذه الدول، وقد أثبتت المسيرات الأوكرانية عمليا نجاحها وفعاليتها في إسقاط المسيرات الروسية، وتسعى اليوم دول مجلس التعاون للحصول على هذه المسيرات الأوكرانية للدفاع عن نفسها، بل وتخطط لتصنيعها محليا بمساعدة السلطات الأوكرانية.
واستفادت أيضاً روسيا من واقع الاعتداءات وتأزم الأوضاع في منطقة الخليج العربي، من خلال رفع الحكومة الأميركية مؤخراً للعقوبات المفروضة على النفط الروسي ولكن بشكل مؤقت، وبطريقة تسمح ببيع النفط الروسي المتواجد في البحر لمدة شهر واحد، نظرا لارتفاع أسعار المحروقات عالميا تبعا للأزمة التي تعيشها منطقة الخليج العربي، وصعوبة تصدير البترول والغاز عبر مضيق هرمز الذي تم إغلاقه واستغلاله كشكل آخر من أشكال الاعتداءات الإيرانية، بالإضافة إلى ما يمثله هذا الإغلاق من اعتداء على حرية التنقل عبر المضايق البحرية.
أصبحت الحروب والاعتداءات متداخلة ومتشابكة، فهي تندلع في قارات مختلفة، وتنعكس نتائجها على كل البلدان والشعوب، ولكن تبقى البلدان المعتدية هي الخاسر أولاً وأخيراً.
* أكاديمي وكاتب سوري مقيم بفرنسا