لم يكن قرار مجلس الأمن الدولي بإدانة الاعتداءات الإيرانية على دول الخليج مجرد موقف دبلوماسي عابر، بل يمثل لحظة كاشفة في مسار هذه الأزمة، لأنه وضع الوقائع أمام ميزان الشرعية الدولية.

فحين يجتمع المجتمع الدولي، بأغلبيته الواسعة، على إدانة سلوك إيران، فإن ذلك لا يعبّر فقط عن رفضٍ سياسي، بل عن حكم قانوني وأخلاقي يؤكد أن السلوك الإيراني لا يمكن تبريره تحت أي ذريعة.

إن هذا القرار يعكس بوضوح أن الاعتداءات التي طالت دول الخليج لم تكن خلافاً سياسياً أو تداعيات جانبية لصراع أكبر، بل كانت انتهاكاً صريحاً لسيادة دول مستقلة وتهديداً مباشراً لاستقرار منطقة حيوية للاقتصاد العالمي.

Ad

وفي مثل هذه اللحظات، يصبح صوت الشرعية الدولية أعلى من ضجيج الذرائع، لأن القانون الدولي حين يتكلم لا يترك مساحة واسعة للتأويل.

إن أهمية هذا القرار لا تكمن في إدانة العدوان الإيراني فقط، بل في كشف المنطق الذي حاولت طهران تسويقه لتبرير اعتداءاتها.

فالتذرع بوجود قواعد أو مصالح أميركية في دول الخليج لا يمنح أي دولة الحق في استهداف أراضي دولة ذات سيادة.

فهذه القواعد قائمة بموجب اتفاقيات سيادية بين دول مستقلة، وهو أمر مشروع في العلاقات الدولية ولا يبرر تحويل الأراضي الوطنية إلى ساحات للصراع.

إن قبول مثل هذا المنطق يعني عملياً فتح الباب أمام استهداف أي دولة بسبب تحالفاتها أو ترتيباتها الدفاعية، وهو أمر يتناقض مع الأسس التي يقوم عليها النظام الدولي.

ولهذا فإن إدانة مجلس الأمن لهذا السلوك لا تمثل رفضاً للعدوان فحسب، بل إسقاط قانوني واضح للذرائع التي حاولت طهران الاحتماء بها.

وفي المقابل، يعكس القرار الدولي حقيقة الموقف الذي التزمت به الكويت ودول الخليج منذ بداية الأزمة.

فهذه الدول لم تكن طرفاً في الحرب الدائرة، ولم تبادر بأي عمل عدائي تجاه إيران، بل حرصت على انتهاج سياسة تقوم على ضبط النفس واحترام قواعد القانون الدولي.

لقد أدركت دول الخليج أن استقرار المنطقة لا يتحقق بتوسيع دائرة الصراع، بل بالحفاظ على التوازن والتمسك بمبادئ السيادة وعدم التدخل.

ومن هنا جاء موقفها واضحاً وثابتاً في رفض التصعيد، مع التأكيد على حقها المشروع في حماية أمنها وسيادتها.

إن هذا النهج المتزن لم يكن تعبيراً عن ضعف أو تردد، بل عن إدراك عميق بأن الحكمة في إدارة الأزمات تكون أحياناً أكثر قوة من اندفاع المواجهات.

كما أن الإدانة الدولية الواسعة للاعتداءات الإيرانية تحمل رسالة أبعد من حدود الأزمة الراهنة، لأنها تؤكد أن أمن الخليج ليس قضية إقليمية ضيقة، بل عنصر أساسي في أمن النظام الدولي.

فالمنطقة تمثل قلب منظومة الطاقة العالمية وأحد أهم ممرات التجارة الدولية، وأي تهديد لاستقرارها ينعكس مباشرة على الاقتصاد العالمي.

ولذلك فإن الاعتداء على دول الخليج لا يُنظر إليه باعتباره خلافاً ثنائياً، بل باعتباره سلوكاً يهدد الأمن الجماعي ويقوض استقرار النظام الاقتصادي الدولي.

وفي هذا السياق، يصبح الموقف الدولي الرافض للعدوان تعبيراً عن إدراك عالمي بأن حماية استقرار الخليج ليست فقط مسؤولية دوله، بل مصلحة دولية مشتركة، وهذا ما لم تدركه طهران.

إن ما كشفت عنه هذه الأزمة بوضوح هو أن قوة الدول لا تُقاس فقط بقدرتها العسكرية، بل بقدرتها على الوقوف في صف الشرعية الدولية حين تختبرها الأزمات.

وقد أثبتت الكويت ودول الخليج أنها اختارت هذا الطريق بوعي ومسؤولية، متمسكة بالقانون الدولي ومبادئ حسن الجوار رغم الاستفزازات والتحديات.

وفي المقابل، وجدت إيران نفسها في مواجهة إجماع دولي يرفض منطق القوة ويطالب باحترام سيادة الدول.

وهنا تتجلى الحقيقة الأهم في العلاقات الدولية وهي أن الشرعية قد تتأخر أحياناً في التعبير عن نفسها، لكنها حين تتكلم تكشف العدوان وتسقط ذرائعه.

وفي نهاية المطاف، يبقى احترام السيادة هو الخط الفاصل بين من يسعى إلى الاستقرار ومن يغامر بإشعال الأزمات، لعل وعسى أن تفهم طهران ذلك.