نستطيع القول إن سنوات الانفتاح والترحيب بالمهاجرين واللاجئين إلى أوروبا قد ولّت، وإن الأوضاع لم تعد كما عهدناها منذ أن فتحت المستشارة الألمانية السابقة أنجيلا ميركل حدود بلدها للمهاجرين واللاجئين، وقالت في عام 2015 بخصوص اندماجهم في ألمانيا جملتها المشهورة: «سننجح في ذلك». وبالفعل استقبلت ألمانيا آلاف اللاجئين من البلدان العربية، وهناك تقديرات تشير، على سبيل المثال، إلى وجود قرابة مليون لاجئ من أصل سوري فيها، ونقرأ نجاح الكثيرين منهم ومن بلدان عربية أخرى بالاندماج والعمل، بل يتم الحديث عن نجاح وتفوق أولاد هؤلاء اللاجئين من البلدان العربية في ألمانيا، وفرنسا وبلدان أوروبية أخرى.
ولكن تغيرت الأوضاع السياسية والاقتصادية والاجتماعية في القارة العجوز في السنوات الأخيرة، منذ اندلاع الحرب الروسية- الأوكرانية في 22/2/2022، وتابعنا هروب آلاف اللاجئين الأوكرانيين من هذه الحرب الأوروبية الجديدة ووصولهم وعائلاتهم إلى البلدان الأوروبية التي تشعر بالتزام وتعاطف أكثر معهم. واستتبع ذلك مطالبات بتغيير قواعد الهجرة واللجوء في أوروبا وبلدان الاتحاد الأوروبي وخاصة فيما يتعلق باللاجئين القادمين من الدول الآسيوية والإفريقية.
وتجلت آخر المستجدات بخصوص الهجرة واللجوء في أوروبا بتصويت البرلمان الأوروبي ومقره مدينة ستراسبورغ الفرنسية، بتاريخ الحادي عشر من شهر فبراير، وبفضل أصوات نواب اليمين واليمين المتطرف في هذا البرلمان، على حزمة تعديلات تتعلق بنظام اللجوء في دول الاتحاد الأوروبي (27 دولة أوروبية)، بقصد تسريع إجراءات رفض طلبات اللجوء، من خلال اعتماد قائمة يمكن اعتبارها دول آمنة، مما يسمح بترحيل طالبي اللجوء إليها، وكذلك إنشاء مراكز إعادة خارج دول الاتحاد على غرار ما تقوم به كل من إيطاليا وألبانيا.
ولكن يحتاج القرار الصادر عن البرلمان الأوروبي لتصديق كل دول الاتحاد الأوروبي عليه ليصبح ساري المفعول وتتم المباشرة بتطبيقه. فيجب أن تلعب السلطات الوطنية دورها في اعتماد قرارات البرلمان الأوروبي الذي يمثل أصوات الشعوب الأوروبية في دول الاتحاد.
وغني عن القول بأن أصواتاً عديدة خرجت لتنتقد هذا القرار، وتبين الجوانب السلبية فيما يتعلق بمصير اللاجئين وطالبي اللجوء الذي يقصدون دول هذا الاتحاد. وتنوعت هذه الأصوات والانتقادات ما بين أعضاء البرلمان الأوروبي بحد ذاته من تحالفات سياسية متنوعة عارضته تحت قبة البرلمان، ولكن الكلمة الفصل تبقى للأغلبية حسب قواعد اللعبة الديمقراطية، وكانت الأغلبية لصالح هذا القرار. وجاءت الانتقادات أيضاً من قبل منظمات حقوق الإنسان في العديد من البلدان الأوروبية.
لا شك أن قضايا الهجرة واللجوء من القضايا الحساسة والمهمة، ليس فقط في البلدان الأوروبية، بل في عدة قارات، ولكن نصيب القارة الأوروبية كان كبيراً من اللاجئين وطالبي اللجوء، مما استتبع اعتماد سياسيات جديدة تواكب آخر الأوضاع. ولكن يجب أن تأخذ هذه السياسيات بعين الاعتبار الجوانب الإنسانية والأخلاقية، والظروف السياسية والاقتصادية والاجتماعية التي تعيشها العديد من البلدان الإفريقية والآسيوية، والتي تأتي منها أعداد اللاجئين وطالبي اللجوء نتيجة حروب أهلية ومجاعات وكوارث طبيعية، ويُنتظر من الدول الأوروبية اعتماد سياسات تراعي ظروفهم وأوضاعهم التي لا تزال صعبة ومأساوية في العديد من هذه البلدان.
* أكاديمي وكاتب سوري مقيم بفرنسا