يقف سالم المرزوق (بونايف) بوصفه أحد آخر الرجال الذين لم يغادروا موقعهم الأول، ولم يخففوا لغتهم، ولم يساوموا على المعنى الذي قامت عليه الكويت الحديثة.
بونايف ليس مجرَّد أحد رواد ديوان الدكتور أحمد الخطيب، رحمه الله، بل هو امتداد حيّ لمدرسته السياسية والفكرية. حضوره في الديوان فعل التزام يومي، كأن بينه وبين الخطيب عهداً مفتوحاً بأن تبقى الفكرة حيَّة، وألا تتحوَّل الحركة الوطنية إلى ذكرى، وأن تبقى الكويت كما أرادها الآباء: دولة مؤسسات، لا دولة أشخاص.
تجربته في البرلمان لم تكن محطة عابرة في سيرته، بل كانت درساً كاملاً في الكفاح الدستوري. دخل المجلس وهو يحمل وعي جيلٍ يعرف أن النائب ليس ممثل خدمات، بل ممثل أمة، وأن الرقابة موقف، وأن التشريع مسؤولية تاريخية.
في مواقفه البرلمانية لم يبحث عن الشعبية السهلة، بل عن الانحياز الواضح للدستور، حتى حين كان ذلك مكلفاً سياسياً. لذلك جاءت تجربته البرلمانية نظيفة، صلبة، ومليئة بالدروس: كيف يكون النائب حُراً، وكيف تتحوَّل القاعة إلى ساحة دفاع عن الدولة، لا منصة مساومات. وحين يتحدَّث اليوم عن تلك المرحلة، لا يتحدَّث بنبرة الحنين، بل بنبرة المقاتل الذي يعرف مواقع المعركة، يروي تفاصيل الاستجوابات، والتحالفات، والمواجهات، لا ليؤرخ فقط، بل ليقول للأجيال الجديدة إن العمل البرلماني الحقيقي هو كفاح طويل، وصبر على الخسارات، وتمسُّك بالمبدأ حتى في أصعب اللحظات.
صوته الهادئ يخفي حِدَّة الموقف، لكنه لا يخفي وضوح الانحياز لمبادئ الدولة الحديثة. مؤمن بأن شرعية الحكم في الكويت لا تُستمد إلا من نصها الدستوري، ومن إرادة شعبها. لا يتعامل مع الدستور كنصٍ قانوني جامد، بل كهوية وطنية، وكقصة نضال عاشها مع رفاقه في الحركة الوطنية.
في زمنٍ تغيَّرت المفاهيم، بقي هو ثابتاً على المفهوم الأول للوطنية: الدفاع عن الحُريات، وعن البرلمان، وعن حق الناس في المشاركة السياسية. لم يغادر السردية التي نشأ عليها جيل الستينيات والسبعينيات، ولم يسمح بتحويلها إلى مجرَّد تراث يُستحضر في المناسبات، بل بقي يتعامل معها كبرنامج عملٍ يومي. وجوده في الديوان اليوم ليس مجرَّد وفاء للمكان، بل هو إعلان مستمر أن المعركة لم تنتهِ.
هو آخر الرموز الصامدين، لأن الثبات أصبح نادراً، ولأن الالتزام بالفكرة أصبح مكلفاً.
سالم المرزوق (بونايف) ليس شاهداً على التاريخ البرلماني، بل أحد جنوده الذين خاضوا معاركه تحت قُبته وخارجها. ومع كل جلسة يجلسها، ومع كل حديثٍ هادئ يرويه، يُعيد تذكيرنا بأن الكويت لم تُبنَ بالصدفة، بل بالكفاح، وأن الحفاظ عليها يحتاج إلى رجالٍ لا يبدِّلون مواقعهم.
أطال الله في عُمره، لأن بقاءه بقاء لذاكرةٍ تقاوم النسيان، وبقاء لفكرة تقول ببساطة ووضوح: الكويت وطن... والدستور قلبه النابض.