«مَنْ نَهَشَتهُ الحَيَّةُ حَذِرَ الرَّسَنَ الأَبلقَ»... مثل عربي واضح المعنى، يماثله بيت الشعر القائل:

إنَّ الَّلسِيعَ لَحاذِرٌ مُتَوَجِّسٌ     يَخْشَى وَيَرْهَبُ كُلَّ حَبْلٍ أبْلَقِ

 والرسن هنا هو الحبل الذي يُقاد به الخيل، والأبلق هو ما كان فيه سواد وبياض، وهو يشبه في هيئته وتدرّجه في اللون جلد بعض أنواع الأفاعي، أما النهشة فهي اللدغة.

«مَنْ نَهَشَتهُ الحَيَّةُ حَذِرَ الرَّسَنَ الأَبلقَ»، مَثل من أبلغ ما قيل في أخذ الحيطة والحذر، بعد تجربة مؤلمة ومريرة لا يجب تكرارها، فمن تعرّض للأذى من أمرٍ ما، يُصّبح شديد الحذر والحساسية تجاه أي شبيه له.

وهل هناك أقرب لمثلنا هذا من رد سيدنا يعقوب الحرفي في سورة يوسف؟ فبعد محاولة أبنائه قتل ابنه يوسف في المرة الأولى، طلبوا منه أخذ أخيهم بنيامين معهم، فـ «قَالَ هَلْ آمَنُكُمْ عَلَيْهِ إِلَّا كَمَا أَمِنتُكُمْ عَلَىٰ أَخِيهِ مِن قَبْلُ».

وقد حذّر الرسول، ﷺ، المؤمن قائلاً: «لا يُلْدَغُ المُؤْمِنُ مِن جُحْرٍ واحِدٍ مَرَّتَيْنِ»، فلا يجب أن يُخدع المرء بسهولة، «فالمُؤْمِنُ كَيِّسٌ فَطِنٌ حَذِرٌ»، فهو كَيّسٌ عاقل يزن الأمور بميزان دقيق، وفَطِن لا تمرّ عليه الخديعة بسهولة، وحَذِر يحسب حساب العواقب.

ووصف الشاعر من يقع في الفخ نفسه مرتين، بأنه شخص أضاع عقله، فقال:

مَن نَكَال العُيوبِ أَنَّكَ تَرضى      بِخِداعِ المُخـادِعِ الغَـدّارِ

فَإِذا ما غُـدِرتَ مَرَّةً أُخرى     فَأَنْتَ المَلومُ في ذا القَرارِ

شاعر آخر ذكر صادقاً أن الجرح يلتئم، إلّا أن «الندبة» تظل حية تُذَكّرِك بمن خدعك، فقال:

يُجرَحُ القلبُ فيشفى كَلْمُهُ      وبقايا النَدْبِ في القلبِ تَعيشُ

وهذه مقامة مسجوعة طريفة تدور حول مَثَلنا، منسوبة للحارث بن همّام يقول فيها: «بَيْنَمَا كُنْتُ في بَعْضِ مَفَاوِزِ القِفَار، أَمْطَرَتْنَا السَّمَاءُ بِمَطَرٍ مِدْرَار، فَلَجَأْتُ إلَى غَارٍ ظَلِيل، عَسَى أَنْ أَجِدَ فِيهِ المَقِيل، وَكَانَ مَعِي رَفِيقٌ ذُو فَضْلٍ وَأَدَب، بَيْدَ أَنَّهُ كَانَ شَدِيدَ التَّوَجُّسِ وَالعَجَب، فَلَمَّا استَقَرَّ بِنَا المَقَام، وَتَوَارَى عَنَّا السَّحَابُ وَالرُّكَام، أَخْرَجْتُ مِنْ جِرَابِي رَسَنًا أَبْلَقَ، كُنْتُ قَدْ فَتَلْتُهُ فَتْلًا مُتْقَنًا، لِأَرْبِطَ بِهِ دَابَّتِي، وَأَحْفَظَ بِهِ بَقِيَّةَ رِحْلَتِي.

وَمَا إنْ رَأَى رَفِيقِي ذَلِكَ الحَبْلَ المَطْرُوح، حَتَّى طَارَ لُبُّهُ وَصَارَ كَالمَذْبُوح! فَزِعَ فَرَقًا، وَاصْفَرَّ حَدَقًا، وَتَرَاجَعَ مَذْعُورًا كَمَنْ رَأَى مَوْتًا مَسْطُورًا، فَقُلْتُ لَهُ تَعَجُّبًا: وَيْحَكَ! أَمِنْ خَيْطٍ مَفْتُول، تَجْزَعُ هَذَا الجُزُول؟، فَنَفَسَ عَنْ صَدْرِهِ زَفْرَة، وَقَالَ وَعَيْنُهُ تَمْتَلِئُ عَبْرَة: يَا هَذَا، لَا تَعْذَلْ مَنْ ذَاقَ الغَدْر، وَضَاقَ بِهِ الصَّبْر، لَقَدْ نَهَشَتْنِي فِيمَا مَضَى حَيَّةٌ رَقْطَاء، نَابُهَا سَمٌّ وَجِلْدُهَا دَاء، وَمَا كَانَ لَوْنُهَا إلَّا كَلَوْنِ رَسَنِكَ هَذَا، سَوَادٌ يَخْتَلِطُ بِيَبَاب، وَنَابٌ يَخْتَرِقُ الإِهَاب، فَاصْفَحْ عَنْ جُبْنِي، فَإِنَّ المَوْجُوعَ لَا يَنْسَى، وَالغَرِيقَ لَا يَأْمَنُ المَرْسَى، فَعَذَرْتُهُ عَلَى خَوْفِهِ، وَعَلِمْتُ أَنَّ الجُرْحَ القَدِيمَ يَنْفُثُ فِي القَلْبِ سُمَّ الحَذَرِ المُسْتَدِيم».

فـ «الحذر سوء ظنّ ممدوح»، وهو مطلوب في مواضع الخطر، والاحتياط مرغوب، والأخذ بالأسباب واجب، وإن كان لا يمنع القدر.