ما يجمع لبنان والكويت ليس مجرَّد علاقة بين بلدين عربيين، بل هو قدر إنساني نسجته الجغرافيا والتاريخ معاً. فبين شاطئ المتوسط في لبنان، وضفاف الخليج في الكويت، قامت حكاية مودة صادقة، تُشبه حكايات القُربى أكثر مما تشبه علاقات السياسة. وقد التقى الشعبان على قواسم كثيرة: الانفتاح، وحُب الحياة، والإيمان بأن الإنسان هو القيمة العليا في بناء الأوطان. لكن هذا القدر الذي جمع البلدين على المحبة، كأنه أراد أن يجمعهما أيضاً على امتحان المِحن. 

فاليوم تقف الكويت في مواجهة التهديدات والاستهداف الإيراني، فيما يرزح لبنان تحت هجمة عسكرية قاسية من إسرائيل. وفي المشهد نفسه يبدو الشعبان كأنهما يتقاسمان وجعاً واحداً، وكأن المصير الذي جمعهما في الأفراح يعود ليجمعهما في زمن الألم. وليس ذلك بجديد على تاريخ البلدين، فقد عرف لبنان سنوات طويلة من الهيمنة والوصاية التي فرضها النظام السوري، كما عرفت الكويت مرارة الاحتلال في الغزو العراقي حين اجتاحت القوات العراقية أرضها في لحظةٍ سوداء من تاريخ المنطقة. 

وكأن الجغرافيا شاءت أن تجعل البلدين، رغم صغر مساحتهما، في قلب الأطماع والصراعات. 

Ad

فلبنان، بموقعه الدقيق على تخوم الشرق والبحر، كان دوماً ساحة تتقاطع عندها مصالح القوى الكبرى، وكأن جمال موقعه كان بعض بلائه. 

والكويت، بموقعها الحيوي وثروتها النفطية، كانت بدورها موضع أطماع ونزاعات، حتى بدا أن نعمة الموقع والثروة قد تتحوَّل أحياناً إلى امتحان قاسٍ. هناك مَنْ يطمع في ثروة الكويت النفطية، كما طمع غيره في ثروات لبنان الطبيعية وسياحته ومياهه. وهناك مَنْ ينظر إلى الخليج بعين النفوذ، كما تنظر إسرائيل إلى لبنان بعين السيطرة. وبين هذه الأطماع المتشابكة ظل الشعبان يدفعان أثمان الجغرافيا والسياسة، لكنهما بقيا متمسكين بما هو أثمن: الكرامة والإنسان. 

وفي خضم هذه العواصف يبرز السؤال الوجداني الصادق: مَنْ يدعم مَنْ؟ ألبنان يقف متضامناً مع الكويت في محنتها، أم الكويت تقف إلى جانب لبنان في مواجهة آلامه؟ 

الحقيقة أن هذا السؤال يفقد معناه حين تكون العلاقة أعمق من الحسابات. فالمحبة بين الشعبين لا تُقاس بميزان العطاء، لأن كلاً منهما يرى في الآخر أخاً لا يحتاج إلى برهان. 

هكذا يبدو القدر الذي جمع الكويت ولبنان: قدر من المحبة المتبادلة، يتقاسمان فيه الفرح حين يزهر، ويتقاسمان فيه الألم حين تعصف الأزمات. وربما كان سر هذه العلاقة أن البلدين، رغم المسافة بينهما، اكتشفا منذ زمن بعيد أن القلوب الصادقة لا تعترف بالجغرافيا، وأن الأخوة الحقيقية تبقى أقوى من الحروب والأطماع والعواصف. نسأل الله أن يحفظ لبنان والكويت وجميع دول الخليج، وأن يرفع عنهم هذه المِحن، وأن يُبدِّل أيام الخوف أمناً، وأيام القلق طمأنينة، وأن يديم على شعوبهم نعمة الاستقرار والسلام، وأن تبقى المحبة التي تجمعهم قدراً جميلاً يظلل حاضرهم ومستقبلهم كما ظلل ماضيهم.