انخفضت أسعار الذهب، اليوم، تحت ضغط ارتفاع الدولار، في حين جدد ارتفاع أسعار النفط المخاوف بشأن التضخم وقلّص الآمال في خفض أسعار الفائدة على ⁠المدى القريب. 

وانخفض سعر الذهب في المعاملات الفورية 0.4 بالمئة إلى 5153.79 ⁠دولاراً للأوقية (الأونصة). وتراجعت العقود الأميركية الآجلة للذهب تسليم أبريل 0.4 بالمئة إلى 5159.20 دولاراً. وزاد الدولار 0.2 بالمئة، مما جعل الذهب المقوّم ‌بالعملة الأميركية أكثر تكلفة بالنسبة لحائزي ​العملات الأخرى.

وقال رئيس الأسواق المؤسسية العالمية لدى «إيه. بي. سي ريفينري»،  نيكولاس فرابيل: «أعتقد أن قوة الدولار ومسألة ‌أسعار الفائدة المرتبطة ​بذلك شكلا بعض الرياح المعاكسة أمام الذهب رغم العنف الدائر ‌حالياً، الذي يقدم خلافاً لمثل تلك ‌العوامل دعماً للذهب».

وتسبب القتال في إغلاق مضيق هرمز فعلياً، مما أدى إلى تقطّع السبل بالناقلات منذ أكثر من أسبوع، وأجبر المنتجين على تعليق الإنتاج مع اقتراب سعة التخزين من الحد ⁠الأقصى.

وأرجأت «غولدمان ساكس» توقعاتها بأن يخفض مجلس الاحتياطي الاتحادي (البنك المركزي الأميركي) أسعار الفائدة. وتتوقع حالياً خفضاً بمقدار ربع نقطة مئوية في سبتمبر وديسمبر، استناداً إلى تزايد ⁠مخاطر ‌التضخم المرتبطة بالحرب في الشرق الأوسط.

وارتفع مؤشر أسعار المستهلكين في الولايات المتحدة 0.3 بالمئة في ​فبراير، بما يتماشى مع ‌التوقعات ويشكّل تسارعاً في ​الوتيرة مقارنة ⁠بزيادة 0.2 ​بالمئة في يناير. وصعد ‌المؤشر 2.4 بالمئة منذ بداية العام حتى فبراير، تماشياً مع التوقعات أيضاً.

ويترقب المستثمرون الآن صدور بيانات مؤشر نفقات الاستهلاك الشخصي لشهر يناير اليوم الجمعة، بعد تأخرها. وبالنسبة للمعادن النفيسة الأخرى، انخفض سعر الفضة في المعاملات الفورية 0.5 بالمئة إلى 85.33 دولاراً للأوقية. وخسر سعر البلاتين في المعاملات ​الفورية 0.3 بالمئة إلى 2162.24 دولارا، لكن البلاديوم زاد 0.3 بالمئة إلى 1642.05 دولارا.

وقال رئيس شركة تارغت للاستثمار، نورالدين محمد، إن أسعار الذهب والفضة ما زالت تتحرك في اتجاه صعودي على المدى الطويل، مشيراً إلى أن المستويات الحالية قد تمثّل فرصاً مناسبة لفتح مراكز استثمارية جديدة، رغم التحركات العرضية التي تشهدها الأسواق في الوقت الراهن.

وأوضح محمد، في مقابلة مع «العربية Business»، أن عدم ارتفاع الذهب إلى مستويات أعلى، رغم التوترات الجيوسياسية يعود في جزء كبير منه إلى توقُّف عدد من البنوك المركزية، عن زيادة مشترياتها من الذهب، مما أدى إلى تراجع القوة الشرائية في السوق ودخول الأسعار في نطاق عرضي.

وأضاف أن عودة البنوك المركزية إلى شراء الذهب قد تدفع الأسعار إلى مستويات أعلى خلال الفترة المقبلة، متوقعاً أن يشكل مستوى 4800 دولار للأونصة منطقة دعم قوية قد تدفع الأسعار إلى الارتداد بقوة في حال الوصول إليها.

وأشار محمد إلى أن الذهب والفضة سجلا مكاسب كبيرة خلال الفترة الماضية، مما دفع المستثمرين إلى زيادة وزن المعادن النفيسة داخل المحافظ الاستثمارية، لافتاً إلى أن النسبة ارتفعت في بعض المحافظ إلى أكثر من 30 بالمئة.

ونصح بعدم تجاوز 30 إلى 35 بالمئة من إجمالي المحفظة الاستثمارية في الذهب حالياً، مع استخدامه كأداة للتحوط في ظل حالة عدم اليقين المرتبطة بالحرب وتداعياتها على الأسواق العالمية.

مسار السياسة النقدية

وفيما يتعلّق بالسياسات النقدية، توقّع أن يؤدي ارتفاع أسعار النفط والتضخم المحتمل إلى استمرار التشدد النقدي عالمياً، مما قد يحد من فرص خفض أسعار الفائدة في المدى القريب.

كما أشار إلى أن أدوات الدخل الثابت، مثل السندات وأذون الخزانة، قد تصبح أكثر جاذبية للمستثمرين خلال المرحلة المقبلة، خصوصاً مع سعي بعض الدول إلى رفع العوائد على هذه الأدوات لجذب السيولة وتحفيز الاقتصاد.

وأضاف أن السندات الأميركية تتمتع بوضع خاص في الأسواق العالمية، موضحاً أن جزءاً من التدفقات المالية الأخيرة جاء نتيجة بحث المستثمرين عن ملاذات أكثر أماناً في ظل خروج رؤوس أموال من بعض مناطق التوتر، خاصة في الشرق الأوسط.

وعلى عكس ما حدث خلال حرب الـ 12 يوماً بين إيران والولايات المتحدة العام الماضي، حين قفزت أسعار الذهب سريعاً قبل أن تفقد معظم مكاسبها مع إعلان وقف إطلاق النار، تبدو أسعار المعدن الثمين اليوم شبه مستقرة بعد مرور أسبوعين على اندلاع الجولة الجديدة من التصعيد العسكري.

وارتفع سعر الذهب من 5296 دولاراً إلى 5423 دولاراً للأونصة بعد أن شنّت الولايات المتحدة وإسرائيل غارات على إيران في 28 فبراير، مما يتماشى مع المقولة الشائعة بأن الاضطرابات الجيوسياسية تدفع المستثمرين نحو أصول «الملاذ الآمن» التقليدية.

لكن موجة بيع أدت إلى انخفاض الأسعار بأكثر من%6 لتصل إلى 5085 دولاراً في 3 مارس. هذا الأسبوع، ومع تصاعد حدة الصراع، تراوح سعر الذهب بين 5050 دولاراً و5200 دولاراً. وبلغ آخر سعر تداول فوري للذهب 5175 دولاراً للأونصة، وفقاً لما ذكرته شبكة «CNBC»، واطلعت عليه «العربية Business».

يرى روس نورمان، الرئيس التنفيذي لموقع «ميتالز ديلي» المتخصص في المعادن الثمينة، أن عدة عوامل قد تفسر ضعف زخم الصعود، بما في ذلك قوة الدولار وارتفاع عوائد سندات الخزانة.

وأضاف نورمان أن ارتفاع أسعار النفط قد يؤدي إلى تضخم طويل الأمد، وربما ارتفاع أسعار الفائدة، في ظل سعي البنوك المركزية لاحتواء تداعيات إغلاق مضيق هرمز، الممر البحري الحيوي للنفط والغاز.

وتميل أسعار الفائدة المرتفعة إلى زيادة جاذبية الأصول ذات العوائد، كالسندات الحكومية، مقارنةً بالمعادن الثمينة التي لا تدر عوائد، كالذهب.

وقال نورمان لشبكة «CNBC»: «تبدو تحركات أسعار الذهب والفضة ضعيفة في الوقت الراهن، ولكن ربما يكون هذا هو الشعور الطبيعي بعد التقلبات الكبيرة التي شهدتها الأشهر القليلة الماضية».

وأضاف أن بعض المستثمرين المؤسسيين أصبحوا قلقين بشأن الاحتفاظ بالسبائك الذهبية نظراً لتقلباتها غير المعتادة.

ويرى رئيس قسم الأبحاث في شركة «الرمز»، عامر حلوي، أن من بين التفسيرات الأخرى أن النزاعات تثير موجة بيع بدافع الذعر بين المستثمرين، مما يسبب «تدفقاً» يجبر المتداولين على بيع مراكزهم مع انخفاض الأسعار.

وقال في حديثه لبرنامج «أكسس الشرق الأوسط» على قناة سي إن بي سي يوم الثلاثاء: «في حال حدوث أزمة سيولة، سيتم بيع كل شيء حتى يستوعب الناس الوضع ويتم إعادة توجيه الاستثمارات نحو الأصول المناسبة».

وأضاف: «عادةً، عند حدوث صدمة، حتى الذهب ينخفض سعره ثم يرتفع لاحقاً».

ورغم التقلبات قصيرة الأجل، لا تزال توقعات البنوك متفائلة. ويتوقع بنك جيه بي مورغان أن تصل الأسعار إلى 6300 دولار للأونصة بحلول نهاية عام 2026، بينما يتمسك دويتشه بنك بهدفه البالغ 6000 دولار بنهاية العام، وفقاً لتقاريره الأخيرة.