لو سلّمنا جدلاً بأن لإيران حق الدفاع عن النفس، ويعطيها - في إطار تفسير واسع - استهداف القواعد الأميركية الموجودة على أراضي دول الخليج، رغم أن معظم هذه القواعد قد تم إخلاؤها أو تدميرها وأصبحت شبه خالية من القوات، فما هو الهدف الاستراتيجي أو العسكري المشروع الذي يبرّر استمرار استهداف مصافي النفط والغاز في السعودية، ومحطات تحلية المياه في البحرين، أو المطارات المدنية في الكويت ودبي وأبوظبي، والموانئ التجارية في عُمان، بل وحتى الفنادق والمباني العامة والمناطق السكنية؟! هذه المنشآت ليست قواعد عسكرية أميركية، ولا مواقع إطلاق صواريخ أو مخازن سلاح، بل هي الشريان الحيوي المدني لشعوب الخليج: مصادر مياه الشرب، ومنظومات الطاقة، والبنية الاقتصادية، ووسائل السفر، ومفاصل الأمن الغذائي غير المباشر.
إن استهداف مثل هذه المرافق لا يحقق أي مكاسب نوعية بعد تدمير الأهداف العسكرية المزعومة، بل إن نتائجه العملية تنحصر في إلحاق الضرر المباشر بحياة ملايين المدنيين، وإرباك الاقتصادات الوطنية التي لم تشارك أصلاً في قرار الحرب ولا في إشعالها.
فكيف يمكن تبرير الاستمرار في ضرب البنية التحتية المدنية بعد انتفاء أي مبرّر دفاعي مباشر؟
ألا يُعد ذلك انتقالاً واضحاً من مفهوم الدفاع عن النفس إلى حرب انتقامية مفتوحة ضد دول لم تشارك في الهجوم الأوّلي، وكانت مغيّبة عن قرار الحرب، ولم تكن طرفاً فيه أصلاً؟ بل إن بعض هذه الدول سعت إلى الوساطة واحتواء التصعيد.
حتى على الصعيد الشعبي، رأينا كثيراً من الخليجيين والعرب يرفضون الغطرسة الإسرائيلية في حرب الاثني عشر يوماً.
والآن داخل الولايات المتحدة ظهرت أصوات من ساسة وإعلاميين تعارض الحرب لانتفاء وجود خطر حقيقي على الولايات المتحدة من إيران.
وفي الوقت نفسه استنكر الخليجيون استهداف الأطفال الأبرياء أو ضرب المنشآت المدنية، لأن الموقف الإنساني يرفض استهداف المدنيين أياً كان الفاعل أو السبب.
إن استمرار النهج العدواني ضد دول الخليج لا يؤدي إلّا إلى نتيجة واحدة، دفع الشعوب إلى الاصطفاف النفسي والسياسي ضد إيران، حتى لدى من كانوا يحرصون على الحياد أو الدعوة للحوار.
ولن يورّث ذلك إلا حقداً وضغائن طويلة الأمد تتسلل إلى ذاكرة الأطفال والمراهقين والشباب الذين عاشوا لحظات الخوف والهلع، لتتحول مع الزمن إلى رواية جمعية سلبية تنتقل من جيل إلى جيل، في منطقة حكمت الجغرافيا أن تعيش فيها شعوب ضفتي الخليج جنباً إلى جنب.
فهل من الحكمة توريث هذا القدر من العداء؟ وماذا عن الجاليات الإيرانية التي عاشت في دول الخليج لعقود تعمل وتكسب رزقها بكرامة؟ ألا يُخشى أن تؤدي مثل هذه السياسات إلى إثارة ضغائن شعبية قد تنعكس عليهم ظلماً، رغم أنهم لا علاقة لهم بقرارات الحرب والسياسة؟ إن إثارة العداوات بين الشعوب لا تصنع أمناً دائماً لأي دولة، بل تزرع ألغاماً نفسية واجتماعية قد يبقى أثرها لعقود.
وهنا يبرز السؤال الأعمق: هل يُعقل أن تخلو إيران اليوم، بتاريخها العريق وثقافتها الممتدة وحضارتها التي أنجبت علماء وفلاسفة ورجال دولة، من أهل الحكمة والرأي الرشيد القادرين على وقف هذا التصعيد الخطير، قبل أن يتحول إلى قطيعة تاريخية بين شعوب المنطقة؟ إن المنطقة لا تحتاج إلى مزيد من النار، بل إلى العقل والحكمة وضبط النفس، والعودة إلى منطق السياسة والحوار قبل قصف الصواريخ والمسيّرات.