منذ سنوات تحرص إسرائيل والولايات المتحدة على الترويج لصورة مبالغ فيها عن قدراتهما الاستخباراتية، وكأنهما تمتلكان عيوناً ترى كل شيء، وآذاناً تسمع ما يدور في الغرف المغلقة.
ويستشهدان بعمليات اغتيال قادة إيرانيين أو قيادات في حزب الله، ليقدما ذلك كأنه دليل قاطع على قوة الاختراق والقدرة الخارقة لأجهزتهما الأمنية.
فنسمع روايات تتحدث عن اختراق أجهزة الاتصالات، أو تتبع قيادات عبر كاميرات المرور في شوارع طهران، أو وسائل تقنية معقدة مكّنتهم من الوصول إلى أهدافهم بدقة.
ويتم تسويق هذه القصص إعلامياً على أنها إنجازات استخباراتية مذهلة، وكأن تلك الأجهزة قادرة على الوصول إلى أي شخص في أي مكان.
لكن عند النظر بعمق إلى الوقائع والسوابق التاريخية، يتبين أن هذه الصورة ليست سوى جزء من حرب نفسية وإعلامية تهدف إلى تضخيم القدرات وبث الرعب في الخصوم أكثر مما تعكس حقيقة القوة الاستخباراتية على الأرض، فكثير من عمليات الاغتيال أو الكشف عن المواقع الحساسة لم تكن نتيجة عبقرية استخباراتية خارقة بقدر ما كانت نتيجة خيانة من الداخل ومن أشخاص قريبين من مراكز القرار، أو من محيط القيادات المستهدفة، يقومون برصد التحركات وتسريب المعلومات وتحديد الإحداثيات بدقة، فالاستخبارات مهما بلغت قوتها التقنية تبقى محدودة إذا لم تجد من يفتح لها الباب من الداخل.
ولو كانت إسرائيل تمتلك تلك القدرة الخارقة التي يتم الترويج لها، لما أمضت سنوات تبحث عن مكان الأسرى الإسرائيليين لدى «حماس» دون أن تتمكن من تحديد مواقعهم بدقة، رغم أنهم داخل نفس الأرض التي تراقبها ليل نهار بطائراتها وأقمارها الصناعية.
وهنا يبرز سؤالان منطقيان: الأول، لو كان التوصل إلى قادة إيران فعلاً عبر كاميرات المرور، فهل تعلن إسرائيل ذلك صراحة ليأخذ خصومها احتياطاتهم؟ والثاني، لو كانت تمتلك تلك القدرة الاستخباراتية المطلقة، فلماذا لم تتمكن حتى اليوم من تحديد مواقع ترسانة الصواريخ والمنشآت العسكرية في إيران والقضاء عليها؟ والأمر نفسه ينطبق على الولايات المتحدة، التي يُصوَّر جهازها الاستخباراتي كأنه لا يخطئ.
ومع ذلك كشفت أحداث الحادي عشر من سبتمبر أن أعقد الأجهزة الأمنية قد تفشل في منع أخطر العمليات داخل أراضيها.
ومع الأسف، ساهمت بعض وسائل الإعلام العربية في تضخيم صورة الاستخبارات الإسرائيلية، ومنحتها هالة من القوة المطلقة، متناسية أنها عجزت مراراً عن تحديد مواقع ترسانة السلاح لدى «حماس»، كما عجزت عن الوصول إلى أماكن احتجاز أسراها لفترات طويلة.
إن الاختراق الأخطر في عالم الاستخبارات لا تصنعه الأقمار الصناعية، ولا أحدث أجهزة التنصت.
الاختراق الحقيقي يبدأ من إنسان... قرر أن يبيع المعلومة.