ليست كل الحقوق تُسطرها الدفاتر، ولا كل المظالم تُحسم في قاعات العدالة. فثمة حقوق أسمى وأبقى، تسكن أغوار النفس وتنبض في الذاكرة، لا تبهت بمرور الأعوام ولا تمحوها تعاقب الليالي. إنه حق الإنسان في كرامته، في أن يُرى وجعه، في أن يُفهم ما مرّ به بصدقٍ وعدل.
ولأن كل شيءٍ قابل لإعادة التشغيل حتى نحن. ففي هذا الأسبوع نتأمل تلك المساحة الإنسانية التي لا تحكمها نصوص القانون، بقدر ما تحكمها ذاكرة الشعور، ونسأل أنفسنا: كيف يكون الغفران للذات وللآخرين فعل تحرر لا فعل نسيان؟ ثم نتساءل: هل آن الأوان أن نضغط زر «ريستارت» ونبدأ من جديد؟
في عالم القانون يقوم مبدأ «التقادم» على حكمة تنظيم المعاملات وتحقيق الاستقرار، فالحقوق المادية قد تسقط بعد أمدٍ محدد لئلا تظل النزاعات معلقة. غير أن النفس الإنسانية ليست ملفاً يُقفل بانتهاء المهلة، ولا ذاكرتها أرشيفاً يُختم بعبارة «انتهى الأجل». فحق النفس هو ذلك الخيط الخفي الذي يربط الحاضر بالماضي، تلك الهزة التي تعتري الكيان حين يستعيد المرء لحظة ظلمٍ لم تُفهم كما ينبغي، ولم تُنصف كما تستحق.
قد يمضي الإنسان في العمر، ويتقدم به الزمن، ويظن أن الأيام طوت صفحات الموجع. غير أن بعض التجارب لا تختفي بمرور الوقت، بل تبقى كامنة في الأعماق، تنتظر لحظة اعتراف أو فهم متأخر يعيد للروح توازنها. فالجراح المعنوية لا تُقاس بالسنين، بل بمدى ما تتركه من أثرٍ في الداخل.
الزمن وحده لا يداوي، وهذه من أكثر الأوهام شيوعاً. فالزمن يحفظ الجروح في قارورتها ويبلورها، لكنه لا يشفيها. قد يهدئ مرور الأيام الضجيج الخارجي للألم، لكنه لا يعالج جذره.
فالشفاء يحتاج إلى فعلٍ مغاير: لحظة وعيٍ صادقة يقف فيها الإنسان أمام ذاته دون مواربة، فيعترف بما مر به من ألم ويمنح تجربته معناها. عندها يبدأ استرداد حق النفس، حين يدرك المرء أن ما حدث لم يكن هيناً كما أقنع نفسه طويلاً، وأن كرامته التي صمتت يوماً ما زالت جديرة بالإنصاف.
ولهذا يبدو القول الشائع «دع الماضي يمضي» قولاً قاصراً. فالنفس لا تطلب أن تبقى أسيرة الألم، لكنها تطلب أن يُفهم ما مرت به، وأن يُعترف بأن ما شعرت به كان حقيقياً جديراً بالإنصاف. فالعدل النفسي ليس انتقاماً من الماضي، بل استعادة اتزانٍ للذاكرة حتى تمضي الروح بسلام.
وهنا يبرز السؤال الأعمق: كيف يستوفي الإنسان حق نفسه؟
ليس بالانتقام، ولا بإجبار الآخرين على الاعتراف، بل بأن يعترف أولاً لنفسه بحقيقة ما حدث، وأن يدرك أنه كان يستحق أفضل مما مضى، إن استيفاء حق النفس هو أن يخرج من دائرة الألم لا هرباً منه، بل علواً عليه، وأن يضع الذكرى في موضعها الصحيح: ذكرى قد تؤلم، لكنها لم تعد تملك زمام الروح.
فلنضغط هذا الأسبوع زر «ريستارت»... لا لنستحضر آلام الأمس، بل لنوقظ وعينا بحقوق نفوسنا، ونصغي لما تطلبه من فهمٍ وعدلٍ وكرامة. فالتقادم قد يطوي بعض الحقوق في سجلات القوانين، لكن حقّ النفس في حياةٍ تليق بها لا يسقط أبداً.
* إعلامية بحرينية