ما يثبته تعاقب هذه الأحداث من هجمات غير مبررة من الطرف الإيراني ليس له إلا تفسير واحد: هذه الدولة الإسلامية الجارة، كما تزعم، لم تكن تشعر أو تستوعب أن هناك مجموعة من المفاهيم، وهي ما نفسره بأواصر الدين الإسلامي وعربونات الصداقة من مبادئ وعهود ومواثيق، ونحن بأمسّ الحاجة إليها اليوم درءاً للفتنة وحقناً للدماء.

لذلك كنت أتساءل منذ عهد قديم: لماذا لا تستوعب إيران أنها تكسب مصالح عظيمة لو تعاونت واشتركت مع دول الخليج في مشاريع نافعة وتنموية؟ لماذا لا تدرك أن لدينا موقفاً مسبقاً، وأن دول الخليج لم تكن تسمح باستخدام أجوائها وأراضيها للهجوم على إيران من قِبل إسرائيل وأميركا؟

فنحن شعوب الخليج نحترم المواثيق الدولية، وفي المقابل هاجمتنا إيران بالصواريخ والمسيّرات وأرعبت الأطفال والنساء في رمضان، ولم نكن نتوقع ذلك، لأنّ الحرب ليست حربنا. ومع ذلك أثبتت دول الخليج أنها تتحمل المسؤولية بصبر وحلم على الأذى والخسائر والمقدّرات التي تأثرت جراء هذا الهجوم. هذه أول مرة في التاريخ يأتي إلينا الهجوم من الجهة الشرقية بهذه الصورة الغريبة، فكيف تم تصنيفنا كأعداء؟ 

Ad

حتى الآن لم يقدّم الطرف الإيراني مبرراً واضحاً لهذه الصواريخ والمسيّرات اليومية، بينما تخرج تصاريح في غاية الغرابة يقول: «أنتم أصدقاؤنا». «اعذرونا هذه حرب». «نحن لا نقصف سوى الأهداف الأميركية فقط!»، وهو ما يجعل الوضع غريباً، خاصة مع استهداف مبنى التأمينات الذي لم تكن له علاقة بالأهداف الأميركية. فالواقع التاريخي يجعلنا نعود قسراً للتفكير في المجلدات التاريخية كحكم شاهد على العلاقة بين الأطراف الأربعة: أميركا وإسرائيل وإيران ودول الخليج، الذين يعبّرون برمزيتهم التاريخية بالعرب والفرس والروم وبني إسرائيل.

نقطة التحول الكبرى كانت نزول الرسالة على رسول الله محمد بن عبدالله، صلوات الله عليه، الذي أرسله الله رحمة للعالمين شاهداً ومبشّراً ونذيراً، فكانت دعوته دعوة للتوحيد والعدل والأخلاق والإخلاص. 

اليوم تأتي هذه الاعتداءات التي كشفت عن وجود عُقد تاريخية قديمة عند أغلب من لا يفهم دول الخليج، فالسعودية العقدة الدينية والأصالة العرقية، والكويت العقدة الثقافية والمنافذ الساحلية وبوابة الدخول الصحراوي. والبحرين العقدة التاريخية وصمام الأمان والموقع البحري الحساس. وقطر العقدة السياسية، والإمارات العقدة الاستثمارية، وعمان العقدة الملاحية الهرمزية. 

دول الخليج تحمل الشفافية التي أثمرت من تعاملهم الأخلاقي هو ما شاهدناه في استنكار مواقف العالم تجاه الاعتداءات الإيرانية. وعلى نحو العُقد التاريخية، فإن أفضل مَن وصف جزيرة العرب بكلمات يسيرة هو المستشرق الفرنسي جاك بيربي حينما قال: «جزيرة العرب أرض الإسلام المقدسة وموطن العروبة وإمبراطورية البترول»، وهو عنوان لأحد مؤلفاته الخطيرة.