في أوقات الاضطراب الإقليمي تتجه الأنظار قسراً إلى مآسي الخراب وجرائم التصعيد، لكن ثمة مشهد آخر أقل ضجيجاً وأكثر دلالة، مشهد البلاد التي بقيت آمنة وسماؤها تُقصف، والحياة التي استمرت في مسارها الطبيعي رغم القذائف والصواريخ التي تمرّ فوقها.هذا ما شهدته الكويت خلال الأيام الأخيرة من التصعيد العسكري الإيراني في المنطقة، حين وجدت البلاد نفسها أمام اختبار حقيقي لقدرة منظومتها الدفاعية في حماية الأرض والشعب.
في أواخر فبراير بدأت موجات من الهجمات الصاروخية والطائرات المسيّرة الإيرانية الغاشمة تخترق أجواء الكويت بحجة استهداف القواعد العسكرية الأميركية، رغم أننا لم نعادها ولم نفتح سماءنا ولا أراضينا ولا سواحلنا ضدها، فهي جارتنا! ولكن الواقع يثبت لنا غير ذلك، فأكثر الأهداف الإيرانية كانت عشوائية، لا تراعي حرمة المدنيين والنساء والأطفال.
وقد أعلنت وزارة الدفاع أن الدفاعات الجوية تعاملت مع هجمات واسعة استهدفت في المقام الأول مواقع عسكرية داخل البلاد، وتمكنت المنظومة الدفاعية من اعتراض 212 صاروخاً بالستياً ونحو 394 طائرة مسيّرة خلال موجات الهجوم المختلفة إلى الآن، وهو رقم يعكس حجم الضغط العملياتي الذي واجهته القوات المكلفة بحماية المجال الجوي.
ورغم كثافة هذه الهجمات، بقيت آثارها محدودة، واقتصرت في معظمها على شظايا ناتجة عن عمليات الاعتراض، إضافة إلى إجراءات احترازية مؤقتة في بعض المرافق الحيوية.ولم تتوقف الحياة في البلاد، فالشوارع ظلت عامرة، والمؤسسات واصلت عملها، وأما المطار فسيعود إلى نشاطه بعد التأكد من عدم استهدافه، وربما كان هذا هو المؤشر الأصدق على نجاح الدفاعات الجوية، أن يشعر الناس بفضل الله ومنته أن البلاد آمنة، وأن الحياة مستمرة دون اضطراب.
تعتمد الكويت في منظومتها الدفاعية على تقنيات متقدمة، من بينها منظومة «Patriot» المخصصة لاعتراض الصواريخ البالستية والأهداف الجوية المعقدة، لكن التقنية وحدها لا تكفي، فهذه المنظومات تحتاج إلى تدريب بشري مستمر وكفاءة تشغيلية عالية، وهو ما أثبتته وحدات الدفاع الجوي التي تعاملت مع الأهداف المتعددة في وقت واحد، في ظروف تتطلب سرعة القرار ودقة التنسيق.
ولعل اللافت في التجربة الكويتية أن هذه القدرة الدفاعية الرائعة لم تُقدَّم يوماً بوصفها استعراضاً إعلامياً، فبينما تُعرف بعض الأنظمة الدفاعية في العالم بحضورها الإعلامي الواسع، المبالغ فيه، مثل منظومة القبّة الحديدية، اختارت الكويت طريقاً أكثر هدوءاً، وطوّرت قدراتها الدفاعية بصمت بجهد قيادتها وأبنائها، وكان أداؤها الميداني أكبر دليل على تفوقها، فقد قُصف على سماء الكويت أضعاف ما قصف على تل أبيب، وظلّت الكويت شامخة رغم أنف الأعداء! ومقولة النار الصديقة تشهد لنا بالحزم.
عزيزي القارئ، من المؤسف جداً أن نرى غدر الجار، الذي كان يَدّعي الحكمة والدبلوماسية، فبمجرد أن ضاقت به الحيل، أخذ يقصف جاره من حَرِّ ما فيه، وكأنه يقول لن أغرق وحدي!... ولكن ولله الحمد، وبالرغم من مرارتها على النفوس، فإنها بعثت فينا الاعتزاز، لا بروح التباهي المزيف، بل بروح الاطمئنان والثقة بحفظ الله، أن لدينا قيادة حكيمة وجيشاً باسلاً وشعباً واعياً.
رحم الله شهداء الكويت، وكل من استشهد على أرضها الطاهرة.