جاء رد الاعتبار لفطين عبدالوهاب بعد رحيله، وحصل على العديد من التكريمات التي تؤكد مكانته الكبيرة. وتم اختيار العديد من أفلامه ضمن قوائم أهم الأفلام في تاريخ السينما المصرية، لاسيما قائمة أفضل مئة فيلم كوميدي، التي ضمت 17 من أعماله، منها «الزوجة رقم 13»، و«مراتي مدير عام»، كما تم اختيار أربعة من أفلامه ضمن أفضل مئة فيلم غنائي في استفتاء آخر، منها «سبعة أيام في الجنة» و«أضواء المدينة».
وفي عام 2022، احتفل مهرجان الإسكندرية السينمائي بالذكرى الخمسين لرحيله، وقدّم جائزة تكريمية باسمه تسلمها ابنه الفنان زكي فطين عبدالوهاب. كما تم تكريمه من قبل المركز الكاثوليكي المصري للسينما بمنحه جائزة الأب يوسف مظلوم.
ورغم أن هذا التكريم بأثر رجعي، فإن التقدير الحقيقي لموهبة فطين عبدالوهاب يكمن في حضوره المتجدد، وأفلامه التي لا تزال تُعرض وتحظى بإعجاب الجماهير حتى اليوم، لكن هذه الجوائز والتكريمات تعكس قيمته الفنية الكبيرة وأهمية إسهاماته في فن الكوميديا الراقية.
عائلة فنية
وُلِد فطين عبدالوهاب في مدينة دمياط عام 1913، ونشأ في عائلة مهتمة بالفن والثقافة، وهو الشقيق الأصغر للممثل الشهير سراج منير، والمخرج والسيناريست المتميز حسن عبدالوهاب، وتخرّج فطين في كلية الزراعة، والتحق بكلية الفنون الجميلة ليدرس التصوير، لكن التنسيق غيّر وجهته إلى قسم العمارة، مما جعله يترك الدراسة ويشق طريقه في سوق العمل.
وفي بداية حياته عمل عبدالوهاب موظفًا في إدارة الجوازات، ثم ضابطا احتياطيًا بالقوات المسلحة المصرية، وبعد فترة بدأ العمل الفني كملاحظ سيناريو وسرعان ما أصبح مخرجًا مساعدًا مع عدد من المخرجين البارزين في فترة الأربعينيات من القرن الماضي، منهم أحمد سالم ومحمود ذوالفقار وحسن حلمي.
«جوز الأربعة» واستمر فطين عبدالوهاب يعمل مساعد مخرج لنحو خمسة أعوام، وكتب خلالها السيناريو لبعض الأفلام، وجاءت أول فرصة للإخراج في فيلم «نادية» (1949)، قصة يوسف جوهر وبطولة النجمة عزيزة أمير (منتجة الفيلم) وسليمان نجيب ومحمود ذوالفقار، والنجمة الصاعدة آنذاك شادية وزينب صدقي ومحمود شكوكو وصلاح نظمي، ودارت الأحداث في إطار ميلودرامي حول تضحيات شابة تعمل مُعلمة، وتتحمّل مسؤولية تربية أشقائها الصغار.
وبعد أن تحمست عزيزة أمير لإنتاج فيلمه الأول، ولفت الأنظار إلى موهبته، قام المنتح المصري فيكتور أنطون صاحب شركة «مينا فيلم» بإنتاج الفيلم الثاني للمخرج الشاب «جوز الأربعة» (1950)، سيناريو وحوار السيد بدير، ودار أيضًا في إطار ميلودرامي، وشارك في بطولته كمال الشناوي ومديحة يسري وزوزو حمدي الحكيم ولولا صدقي ومحمد توفيق.
وشهد «إسماعيل ياسين في بيت الأشباح» (1951)، بداية تعاون فطين عبدالوهاب مع نجم الكوميديا، وأول لقاء سينمائي بين الفنان سراج منير وشقيقه المخرج، وكتب عبدالوهاب سيناريو الفيلم، والقصة والحوار لعلي الزرقاني، وشارك في البطولة كمال الشناوي وعبدالفتاح القصري وميمي شكيب وثريا حلمي ورياض القصبجي. ودارت الأحداث في إطار كوميدي فانتازي.
وتتابعت أفلام فطين في سينما الخمسينيات، وبلغ مرحلة نضجه الفني في فيلم «الأستاذة فاطمة» (1956) وتناول القضايا الاجتماعية في قالب كوميدي، وحقق هذا الشريط السينمائي نجاحًا جماهيريًا كبيرًا، ومازال يحظى بنسبة مشاهدة عالية عبر القنوات الفضائية ومواقع الإنترنت.
تدور أحداث الفيلم في إطار كوميدي، حول فاطمة (فاتن حمامة) التي تفتح مكتبًا للمحاماة، ويرفض خطيبها المحامي عادل (كمال الشناوي) عملها، لعدم اقتناعه بقدرة المرأة على العمل كمحامية، لكنها تحدت رأيه لتثبت له أنها متفوقة، وتشتد المنافسة بينهما، لكنها تعاني من نظرة المجتمع، ويتعثر عملها، ويتفوق عليها خطيبها. ويُتهم عادل في جريمة قتل لوجوده في مسرح الجريمة، ويطلب منها أن تتولى الدفاع عنه رغم أنها لم تمارس المهنة بطريقة جدية، وتبذل فاطمة كل جهودها لإثبات براءته.
وشهد الفيلم تألق النجمة فاتن حمامة في الأداء الكوميدي أمام كمال الشناوي وعبدالوارث عسر وعبدالفتاح القصري، لكنها اتجهت مجددًا إلى الأفلام الرومانسية والتراجيدية مع مخرجين آخرين، دون وجود خلافات شخصية مع فطين عبدالوهاب، وسبق «الأستاذة فاطمة» تعاونهما في الفيلم الميلودرامي «عبيد المال» (1953)، وشارك في بطولته فريد شوقي وعماد حمدي ومحمود المليجي.
ابتعد فطين عن الكوميديا، وأخرج ثلاثة أفلام في عام 1953، منها «حكم قراقوش» قصة محمود السباع وسيناريو وأغاني بديع خيري، وبطولة المطربة نور الهدى وزكي رستم وسراج منير واستيفان روستي وميمي شكيب وعمر الحريري، وتدور أحداثه في إطار دراما تاريخية رمزية، حول كفاح الشعب ضد الحاكم المستبد «قراقوش» ولم يحقق الفيلم إيرادات عالية، وتسبب في صدمة للمخرج وأزمة قلبية لمنتجه سراج منير.
وعاد عبدالوهاب مرة أخرى إلى فضاء الكوميديا من خلال «الآنسة حنفي» (1954)، تأليف جليل البنداري وبطولة إسماعيل ياسين وماجدة وسليمان نجيب، وأخرج الفيلم الكوميدي الغنائي «نهارك سعيد» (1955)، بطولة منير مراد وعبدالسلام النابلسي وسراج منير وميمي شكيب.
ساحر النساء
قدم فطين عبدالوهاب العديد من الأفيهات والعبارات الفكاهية التي حفظها الجمهور، وما زال يرددها حتى اليوم، منها عبارة «كلمتي مش حتنزل الأرض أبدًا... خلاص حتنزل المرة دي» على لسان الفنان عبدالفتاح القصري الذي جسّد شخصية «المعلم حنفي» في فيلم «ابن حميدو» (1957)، بطولة هند رستم وأحمد رمزي وزينات صدقي وإسماعيل ياسين ونيللي مظلوم وتوفيق الدقن، وحقق الفيلم إيرادات خيالية في ذلك الوقت، بلغت 300 ألف جنيه مصري، بينما تكلف إنتاجه 18 ألفاً فقط.
واتجه عبدالوهاب إلى أفلام الأكشن في «الأخ الكبير» (1958) بطولة فريد شوقي وهند رستم وأحمد رمزي وفردوس محمد وسعيد أبوبكر، ويحكي قصة «عوض» المسؤول عن أسرته المكوَّنة من أمه وأخيه «أحمد» وابنة خالته «دولت»، وتعتقد الأسرة أنه يعمل عملًا شريفًا، بينما يرأس عوض عصابة تتاجر في المخدرات، وتحبه الراقصة «روحية» وتحاول الزواج منه، لكنه يرفض حتى يحافظ على اسم الأسرة، خصوصا أن شقيقه يدرس في السنه النهائية بكلية الحقوق، وتتوالى الأحداث.
وفي العام ذاته، أخرج عبدالوهاب «امسك حرامي» بطولة إسماعيل ياسين وآمال فريد ومحمود المليجي وزوزو حمدي الحكيم وحسن فايق والمطربة فايزة أحمد، ودارت أحداثه في إطار كوميدي، وعاد المخرج الكوميدي إلى أفلام الأكشن مع فريد شوقي وهند رستم في «ساحر النساء» (1958) وشارك في بطولته توفيق الدقن وخيرية أحمد وسهير البابلي ووداد حمدي ورياض القصبجي.
واختتم فطين أفلامه في الخمسينيات بفيلم «العتبة الخضراء» (1959)، تأليف جليل البنداري، بطولة صباح وأحمد مظهر وإسماعيل ياسين وعمر الحريري وزينات صدقي، والقصة الحقيقية للفيلم مستوحاة من نصاب يدعى رمضان أبوزيد العبد، الذي ادعى عام 1948 قدرته على بيع ميدان العتبة الخضراء لشخص قروي ساذج، وجّسد شخصية هذا النصاب الفنان أحمد مظهر، بينما لعب إسماعيل ياسين شخصية القروي.
«الغريب» تجربة إخراجية مثيرة
حفلت كواليس فيلم «الغريب» (1956) بمواقف مثيرة، ويعد من التجارب الإخراجية القليلة التي شارك فيها فطين عبدالوهاب مع مخرجين آخرين، وكاد العمل يتوقف بعد تمسك منتج وبطل الفيلم يحيى شاهين بإشراك الفنانة ماجدة في البطولة، وأصر عبدالوهاب وزميله المخرج كمال الشيخ على مشاركة فاتن حمامة، لكن المنتج أقنعهما بوجهة نظره، لاسيما أن حمامة مشغولة بتصوير أفلام أخرى.
ويُحسب للفنان يحيى شاهين جرأته في إنتاج «الغريب» وإسناد الإخراج لمخرجين ينتميان لمدرستين مختلفين، ويمكن للمشاهد أن يميّز بسهولة بينهما، فالشيخ اختص بمشاهد الأكشن ذات الإيقاع السريع، بينما أخرج فطين عبدالوهاب المشاهد الرومانسية والكوميدية.
وروى الفنان محسن سرحان ذكرياته في هذا الفيلم قائلاً: «كنت لأول مرة أمثِّل في فيلم له مخرجان، فطين عبدالوهاب وكمال الشيخ، واقتضى دوري في أحد المشاهد أن أركب حصانًا، وكانوا سـيحضرون (دوبلير) يقوم بركوبه بدلاً مني، لكني لم أوافق، وكنت أركض به، لكني سقطت من عليه وأصبت في رأسي، لأن سرج الحصان لم يكن محكم الغلق، وتم نقلي إلى المستشفى».
صانع البهجة يفتتح إخراج سلسلة أفلام إسماعيل ياسين
أخرج فطين عبدالوهاب أول أفلام تحمل اسم ممثل مصري «إسماعيل ياسن في الجيش» (1955)، و«إسماعيل ياسين في البوليس» (1956)، و«إسماعيل ياسين في الأسطول» (1957)، و«إسماعيل ياسين بوليس حربي» (1958)، و«إسماعيل ياسين بوليس سري»، و«إسماعيل ياسين في الطيران» (1959)، بخلاف الكثير من الأفلام الأخرى التي شارك ياسين في بطولتها، وأخرجها عبدالوهاب، منها «الآنسة حنفي» و«ابن حميدو».
وحققت تلك السلسلة نجاحًا جماهيريًا كبيرًا، وتميّزت بالمفارقات الكوميدية، التي لا تخلو من توجيه رسائل مؤيدة لثورة يوليو 1952، ومازالت أصداء تلك النوعية من الأفلام، تظهر بين حين وآخر في السينما المصرية، مثل فيلم «عبود على الحدود» (1999) بطولة علاء ولي الدين وإخراج شريف عرفة، و«عسكر في المعسكر» (2003)، بطولة محمد هنيدي وإخراج محمد ياسين.
واستطاع فطين أن يقلب موازين البطولة السينمائية، وينتشل الممثل الكوميدي إسماعيل ياسين من أدوار «سنيد البطل» إلى نجم يتصدر اسمه «الأفيشات» وتحويل نجوم الشاشة إلى شخصيات مساندة، منهم كمال الشناوي وأحمد رمزي ورشدي أباظة، وكذلك ظهور المطرب عبدالحليم حافظ وأحمد مظهر ضيفي شرف في «إسماعيل ياسين بوليس حربي».
ويبقى للمخرج فطين عبدالوهاب السبق في ابتكار وإخراج تلك السلسلة من الأفلام، التي شارك في إخراجها آخرون، منهم المخرج سيف الدين شوكت «إسماعيل ياسين في حديقة الحيوان» (1957)، ونيازي مصطفى «إسماعيل ياسين طرزان»، وحسام الدين مصطفى «إسماعيل ياسين للبيع» (1958)، وحسن الصيفي «إسماعيل ياسين في السجن» (1961).