في خطوة تمثل تتويجاً للتحركات الدبلوماسية الخليجية ضد العدوان الإيراني الآثم على دول الخليج، تبنى مجلس الأمن، اليوم، قراراً قدمته البحرين، يدين الاعتداءات الإيرانية الشنيعة على أراضي دول مجلس التعاون الخليجي والأردن، واستهداف المدنيين والمنشآت المدنية، ويطالب طهران بالوقف الفوري لجميع الهجمات والاستفزازات دون قيد أو شرط.
وفي خطوة تعكس تماسك الموقف الخليجي والعربي ووحدة الرؤية في مواجهة التحديات المشتركة، كما يبرز قدرة الدبلوماسية الخليجية بما في ذلك الدبلوماسية الكويتية على العمل بشكل منسق وفاعل بالأمم المتحدة لحشد الدعم الدولي وتثبيت مبادئ احترام السيادة وصون أمن واستقرار المنطقة، اعتمد مجلس الأمن مشروع القرار رقم 2817 بأغلبية 13 صوتا لمصلحة القرار، فيما امتنعت كل من روسيا والصين عن التصويت.
وحظي مشروع القرار بدعم من 135 دولة عضوا في الأمم المتحدة، من مختلف المجموعات الإقليمية، في سابقة تعد الأعلى من حيث عدد الدول الراعية لمشروع قرار في تاريخ مجلس الأمن، بما يعكس اتساع نطاق الدعم الدولي للموقف الخليجي والأردني في مواجهة الاعتداءات الإيرانية المتواصلة.
هجمات شنيعة
وكرر مجلس الأمن في القرار تأكيد «دعمه القوي للسلامة الإقليمية للإمارات والبحرين وعمان وقطر والكويت والسعودية والأردن، ولسيادتها واستقلالها السياسي».
وأدان «بأشد العبارات الهجمات الشنيعة التي تشنها إيران على أراضي الإمارات والبحرين وعمان وقطر والكويت والسعودية والأردن»، وقرر أن «هذه الأعمال تشكل خرقاً للقانون الدولي وتهديداً خطيراً للسلام والأمن الدوليين».
تضامن مع شعوب المنطقة
ودان القرار كذلك «الهجوم على المناطق السكنية واستهداف الأعيان المدنية وتسبب الهجمات في وقوع خسائر في صفوف المدنيين وإلحاق الضرر بالمباني المدنية، ويعرب عن تضامنه مع هذه البلدان وشعوبها»، وطالب بـ «الوقف الفوري لجميع الهجمات التي تشنها إيران على الإمارات والبحرين وعمان وقطر والكويت والسعودية والأردن» وبأن توقف إيران «فوراً ودون قيد أو شرط أي استفزاز أو تهديد للدول المجاورة، بما في ذلك استخدام الوكلاء».
وأهاب القرار بإيران إلى أن «تمتثل امتثالاً تاماً لالتزاماتها بموجب القانون الدولي، بما في ذلك القانون الدولي الإنساني، ولا سيما فيما يتعلق بحماية المدنيين والأعيان المدنية في أثناء النزاعات المسلحة».
تهديد الملاحة
وأكد القرار من جديد أن «ممارسة سفن النقل والسفن التجارية للحقوق والحريات الملاحية وفقاً للقانون الدولي يجب أن تُحترم، وخاصة حول الطرق البحرية الحيوية، ويحيط علماً بحق الدول الأعضاء، وفقاً للقانون الدولي، في الدفاع عن سفنها ضد الهجمات وأعمال الاستفزاز، بما فيها تلك التي تقوض الحقوق والحريات الملاحية».
وأدان القرار أي «أعمال أو تهديدات تصدر عن إيران بهدف إغلاق مضيق هرمز أو تعطيل الملاحة الدولية فيه أو التدخل فيها بأي شكل آخر، أو تهديد الأمن البحري في باب المندب، ويؤكد أن أي محاولة لعرقلة المرور العابر المشروع أو حرية الملاحة في هذه المجاري المائية الدولية تشكل تهديداً خطيراً للسلام والأمن الدوليين، ويدعو إيران إلى الامتناع فوراً عن أي أعمال أو تهديدات وفقاً للقانون الدولي».
حق الدفاع عن النفس
كما أكد مجلس الأمن «الحق الطبيعي للدول في الدفاع عن النفس، فرادى أو جماعات، رداً على الهجمات المسلحة المستهجنة التي تشنها إيران، وذلك على النحو المعترف به في المادة 51 من ميثاق الأمم المتحدة».
ولاحظ «الجهود الحثيثة التي بذلتها بلدان مجلس التعاون لدول الخليج العربية وبلدان أخرى في المنطقة من خلال المشاركة في جهود الوساطة من أجل تيسير الحوار بين إيران والمجتمع الدولي ومعالجة الخلافات وتسوية المنازعات بالوسائل السلمية بغية تجنيب المنطقة مخاطر التصعيد».
تحرك جماعي ومنسق
وكانت الدول الخليجية تحركت منذ اندلاع تلك الاعتداءات في 28 فبراير الماضي بصورة جماعية ومنسقة عكست وحدة موقف واضحة وتكاملا في الجهود الدبلوماسية، كما حضر الأردن شريكا أساسيا في هذا المسار، سواء باعتباره دولة مستهدفة أو طرفا عربيا رئيسيا في بناء الموقف المشترك والدفاع عنه في مختلف المحافل الدولية.
وامتد هذا الحراك سريعا إلى الإطارين العربي والإسلامي، حيث عقدت جامعة الدول العربية اجتماعا طارئا على المستوى الوزاري، خصص لبحث هذه التطورات، وأكدت خلاله تضامن الدول العربية الكامل مع دول مجلس التعاون والأردن، ورفضها القاطع لهذه الاعتداءات.
كما عقدت الأمم المتحدة اجتماعا لمجموعة منظمة التعاون الإسلامي، أعربت خلاله الدول الأعضاء عن إدانتها للهجمات ودعمها للدول المتضررة.
وعلى الصعيد الدولي الأوسع، شكل الاجتماع الذي عقد على المستوى الوزاري بين مجلس التعاون والاتحاد الأوروبي محطة مهمة في هذا المسار، إذ أكد الأخير خلال الاجتماع دعمه لدول مجلس التعاون وتضامنه معها في مواجهة الاعتداءات التي استهدفتها، وشدد الاجتماع على أهمية احترام سيادة الدول والحفاظ على أمن واستقرار المنطقة وفقا لمبادئ القانون الدولي وميثاق الأمم المتحدة.
وفي الأمم المتحدة عكست مواقف القيادة الأممية إدراكا واضحا لخطورة هذه التطورات، حيث أكد الأمين العام للأمم المتحدة أنطونيو غوتيريش إدانته للهجمات التي استهدفت دول المجلس والدول العربية، مشددا على ضرورة احترام سيادة الدول والامتناع عن أي أعمال من شأنها تهديد السلم والأمن الإقليميين.
وقد أظهرت المواقف والبيانات الصادرة عن المجموعة الخليجية وجامعة الدول العربية ومنظمة التعاون الإسلامي والاتحاد الأوروبي إدراكا دوليا واسعا لطبيعة هذه الاعتداءات بعد أن ساهم عرض الوقائع في كشف ما رافقها من حملات دعائية ومغالطات، فضلا عن توضيح الصورة الحقيقية للأحداث وتعزيز التفهم الدولي لخطورة هذه الاعتداءات وانعكاساتها على أمن المنطقة واستقرارها.
السفير البناي
وقبل التصويت، أكد المندوب الدائم لدولة الكويت لدى الأمم المتحدة، السفير طارق البناي، في كلمة مع المندوبين الخليجيين، أنه يجب على مجلس الأمن التحرك، منددا بالتضليل الإيراني، وأوضح أن الكويت تعرضت لـ237 صاروخاً بالستياً و467 مسيّرة ضربتها إيران، واستهدفت مناطق مدنية وبنية تحتية حيوية، بما في ذلك مطار الكويت الدولي ومؤسسات عامة ومواقع دبلوماسية، وهذه الهجمات تسببت في 5 وفيات، بما في ذلك طفلة في الحادية عشرة من عمرها، وأكثر من 100 مصاب.
وأضاف البناي أن «الكويت ترفض بحزم ادعاءات إيران المضللة في الأمم المتحدة بأن أراضي الكويت استخدمت في الهجمات»، مشددا على أن «الكويت لم تسمح ولن تسمح باستخدام أراضيها أو أجوائها لتنفيذ أعمال عدائية ضد أي دولة وهذه سياستها منذ مدة طويلة»، وأكد أن الهجمات الإيرانية تمثل انتهاكا خطيرا لسيادة الكويت وأمنها وسلامة أراضيها، وهي خطوط حُمر، وعلى مجلس الأمن التحرك بكل حسم، واتخاذ قرار بشأن اعتداء إيران السافر على أراضي الكويت ودول مجلس التعاون.
وبعد اعتماد القرار قال البناي إن «القرار يمثل رسالة واضحة من المجتمع الدولي برفض انتهاك سيادة دولنا واستهداف المدنيين والمنشآت الحيوية وتهديد أمن المنطقة»، مبينا أن «القرار يؤكد الدعم القوي لسيادة وسلامة أراضي البلاد ودول مجلس التعاون والأردن، ويدين الهجمات الصاروخية والطائرات المسيرة التي أطلقتها إيران تجاه مناطق سكنية وبنية تحتية مدنية».
وشدد على أن «القرار يطالب بالإيقاف الفوري لهذه الهجمات، واحترام قواعد القانون الدولي، ويؤكد الحق الطبيعي للدول في الدفاع عن نفسها بشكل فردي أو جماعي وفقا للمادة 51 من ميثاق الأمم المتحدة»، وعبر عن «اعتزاز وفخر البلاد بالدور البطولي الذي قامت به قواتها المسلحة ومنتسبو الأجهزة الأمنية في التصدي لهذه الهجمات وحماية أرواح المواطنين والمقيمين وسلامة المنشآت الحيوية في البلاد».
كما أعرب عن خالص التعازي لأسر الشهداء الذين وافتهم المنية جراء هذه الاعتداءات الآثمة، سائلا المولى عز وجل أن يتغمدهم بواسع رحمته، ومتمنيا الشفاء العاجل للمصابين، وجدد تأكيد «مواصلة الكويت، إلى جانب أشقائها في دول مجلس التعاون والأردن، الدفاع عن سيادتها وسلامة أراضيها وحماية مواطنيها والمقيمين فيها، لافتا في الوقت ذاته إلى التزام هذه الدول بالعمل الدبلوماسي وبمبادئ القانون الدولي.
واختتم البناي كلمته بالقول إن ما يجمع البلاد بأشقائها في دول مجلس التعاون هو وحدة المصير والموقف، مضيفا أن أمن الخليج واستقراره مسؤولية مشتركة لا تتجزأ، ومعربا عن تقديره للدعم الواسع من المجتمع الدولي المتضامن مع دول المنطقة في مواجهة هذه الاعتداءات، والذي تمثل بدعم 135 دولة للقرار، ما يعد «سابقة تاريخية في مجلس الأمن» الذي عكس حرصه على الاضطلاع بمسؤولياته في صون السلم والأمن الدوليين.
ورحبت السعودية باعتماد القرار، وقالت «الخارجية» السعودية: «ترحب المملكة بمضامين القرار، بما فيها إدانة الهجوم على المناطق السكنية واستهداف الأعيان المدنية، وما تسببت فيه الهجمات من وقوع خسائر في صفوف المدنيين وإلحاق الضرر بالمباني المدنية، والتضامن مع هذه البلدان وشعوبها».
وأشارت إلى الدعم الدولي الذي حظي به القرار والإدانات الدولية لتلك الهجمات الإيرانية «الغاشمة»، والمطالبة بوقفها فورا دون قيد أو شرط، ووقف «أي استفزاز أو تهديد للدول المجاورة، بما في ذلك استخدام الوكلاء».
كما رحب الأمين العام لمجلس التعاون الخليجي جاسم البديوي بقرار مجلس الأمن بإدانة العمليات العسكرية الإيرانية «الغادرة» على دول مجلس التعاون والأردن، وأكد أن هذه الإدانة الدولية، التي أتت بإجماع دولي غير مسبوق، هي «دليل صارخ على انتهاك إيران للقوانين والأعراف والمواثيق الدولية والأممية، باستهدافها للمدنيين والأعيان المدنية والبنى التحتية بدول المجلس والأردن».
بدورها، رحبت الإمارات باعتماد القرار، وقال مندوبها الدائم لدى الأمم المتحدة، السفير محمد أبوشهاب، إن «اعتماد هذا القرار الذي شاركت في رعايته 135 دولة عضوا في الأمم المتحدة، يبعث برسالة واضحة وموحدة مفادها أن المجتمع الدولي لن يتسامح مع الاعتداءات على سيادة الدول أو الاستهداف المتعمد للمدنيين والبنية التحتية الحيوية»، حسبما نقلت وكالة الأنباء الإماراتية الرسمية (وام) في ساعة مبكرة من صباح اليوم.
وأضاف أبوشهاب: «تتوجه دولة الإمارات بالشكر إلى مجلس الأمن على وقوفه إلى جانب حكومة وشعب دولة الإمارات وشعوب المنطقة في الظروف الراهنة، ونؤكد التزامنا بمواصلة العمل مع الأمم المتحدة وشركائنا الدوليين لصون مبادئ القانون الدولي، وتعزيز الاستقرار، ومنع مزيد من التصعيد في منطقتنا».