منذ أول انفجار إعلاناً عن بداية الحرب الثانية بين إيران والتحالف الأميركي - الإسرائيلي في فجر 28 فبراير 2026، وحتى نهاية يوم أمس الأول الاثنين التاسع من مارس الجاري، تلقت دول مجلس التعاون الخليجي من الجارة في الموقع، والشريكة في التاريخ والجغرافيا، الجمهورية الإسلامية الإيرانية نحو 3018 صاروخاً وطائرة مسيرة استهدف منها 658 دولة الكويت، بأهلها وعمرانها ومرافقها واقتصادها فضلاً عن جيشها، في رقم يتجاوز بكثير مثيله من عدد الصواريخ التي تم إطلاقها على إسرائيل.
ويأتي هذا الاعتداء الإيراني الشرس تتويجاً لسجل حافل من الآثام المتواصلة التي ارتكبتها الجمهورية الإسلامية الإيرانية في حق الكويت بالذات منذ هبط المرشد الخميني عام 1979 أرض طهران قادماً من باريس، ليعلن التزامه بـ «تصدير الثورة» وعداءه لكل دول الجوار، من تفجيرات المقاهي الشعبية، إلى محاولة اغتيال الأمير الراحل الشيخ جابر الأحمد، رحمه الله، إلى اختطاف الطائرة الكويتية «الجابرية»... وصولاً إلى خلية العبدلي.
وتعمّدت الجمهورية الإسلامية الإيرانية أن تعمل على تصدير ثورتها من خلال إثارة العبث باستقرار العالم العربي كله من اليمن إلى ليبيا مروراً بالعراق وسورية ولبنان... مسلطة «فيلق القدس» الذي أعلن أن الطرق إلى القدس كثيرة ومتعددة وكلها تمرّ بالعواصم العربية. ومع ذلك، ما وصل إلى أي منها إلا استقر فيها وعبث بأهلها ورزقها واستقرارها، وبقي يبحث دون جدوى عن طريق القدس.
والآن بعد الحلف الأميركي - الإسرائيلي الأخير الذي اتخذ قراره بمهاجمة إيران لإسقاط نظام الملالي - رغم معارضة دول الخليج – كان من العجيب أن توسّع طهران دائرة اعتداءاتها، حتى على الشقيقة السعودية، التي أبرمت معها اتفاقية بوساطة صينية بسبب صواريخ الحوثيين التي ظلت تهاجم المملكة وتهدد استقرارها... اتجهت طهران للاعتداء على دول مجلس التعاون رغم تأكيد بلادنا أنها لن تسمح للولايات المتحدة باستخدام مطاراتها أو أراضيها أو ما فيها من قواعد أميركية، لشن هجوم على إيران، وهذا ما أكده سمو أمير البلاد الشيخ مشعل الأحمد في خطابه بالعشر الأواخر أمس الأول، بأن الكويت لم تسمح باستخدام أراضيها وأجوائها وسواحلها لأي عمل عسكري ضد إيران وأنه تمّ إبلاغها بذلك مراراً، ومع ذلك لم يشفع لنا هذا الموقف بل أخذت الجارة التي تتشدق بحسن الجوار توجه إلينا صواريخ ومسيرات تستهدف منشآت مدنية واقتصادية ومرافق حيوية، في الوقت الذي تدعي أنها لا تضرب سوى القواعد والمعسكرات الأميركية.
لم يعد يثير دهشتنا أن تقول إيران ما لا تفعل، وبات ما يصدر عنها من مواقف أشبه بمسرحية هزلية رديئة توزع فيها الأدوار بين الخطاب السياسي والواقع العسكري، فبعد ساعات فقط من خروج رئيس الجمهورية الإسلامية الإيرانية مسعود بزشكيان معتذراً عن اعتداءات بلاده على دول الخليج العربية ومتعهداً بعدم تكرارها... بعد ساعات فقط عادت صفارات الإنذار تخرق ليل الكويت معلنة عن عدوان إيراني جديد ودامٍ وآثم.
إننا نعرف تماماً، ونعرف منذ أكثر من سبعين عاماً، أن إسرائيل كيان مغتصب وعدو عنصري وسرطان فتَّاك في جسد العالم العربي كله، نعرف أن إسرائيل قد نكَّلت بأهلنا في فلسطين، واحتلت مساحات واسعة من أرضنا في الأردن وسورية ولبنان، وارتكبت من المجازر وحروب الإبادة الجماعية ما لا يمكن للتاريخ أن ينساه مهما تم تزويره والعبث بحقائقه، ولكننا نعرف أيضاً أن الجمهورية الإسلامية الإيرانية بحقدها على العرب وباستغلالها للإسلام وبأطماعها المعلنة في دول مجلس التعاون الخليجي، هي التي زرعت الشقاق بالمنطقة، وهي التي أتاحت لإسرائيل أن تؤجج نار الحرب في المنطقة كلها.
بعد هذه الشراسة في العدوان، وهذه الفصاحة في الحقد والكراهية، وهذا السجل الطويل في خرق كل أسس مراعاة الجوار، وكل قواعد احترام السيادة، وبعد كل ذلك العبث باستقرار بلادنا واحترام شعبنا، ما هو مبرِّر حرص دول مجلس التعاون الخليجي على علاقات دبلوماسية وسفارات وسفراء بيننا وبين إيران التي تجاهر بعدائها لكل ما هو عربي مجاهرة أبي جهل بعدائه لكل ما هو إسلامي؟! إن العالم لا يحترم دولة إلا بقدر احترامها لنفسها، ولا يغضب انتصاراً لأمة إلا بقدر غضبها دفاعاً عن حقوقها.
وإن قطع دول مجلس التعاون، كل دول مجلس التعاون، تمثيلها الدبلوماسي وتجميد التبادل التجاري والاقتصادي بينها وبين إيران وسحب سفاراتنا منها وطلب مغادرة سفرائها في أبوظبي والمنامة والرياض والدوحة ومسقط والكويت، يجب أن يكون خطوة واحدة منسقة الصيغة والتوقيت، لتعكس وحدة الموقف العربي الخليجي وصلابته.
وإن إغلاق السفارات لا يعني أبداً إغلاق الملف الدبلوماسي بين دول مجلس التعاون وإيران، بل يعني الإصرار على ألا يفتح هذا الملف إلا على أسس جديدة... أسس الاحترام المتبادل، والمصالح المشتركة، وعدم تدخل أحد الطرفين في شؤون الطرف الآخر.
وهذا أضعف الإيمان... أم هل نقول: إن هذا أضعف أشكال الغضب النبيل؟!