في يومها الحادي عشر، بدت الحرب على إيران مفتوحة على جميع الاحتمالات، بين تصعيد عسكري واسع يستدرج المنطقة إلى مواجهة شاملة، ومحاولات دبلوماسية متزايدة لوقف القتال وإعادة الاستقرار للشرق الأوسط وأسواق الطاقة.

ودخلت الحرب الأميركية - الإسرائيلية على إيران مرحلة جديدة من التصعيد العسكري والتصريحات المتضاربة، أبرزها المواقف المتناقضة للرئيس دونالد ترامب الذي هدد بتصعيد غير مسبوق ضد طهران، والتأكيد في الوقت ذاته على أن الحرب ستنتهي «قريباً جداً»، في وقت توعد رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو بكسر عظام النظام الإيراني دون الذهاب إلى إسقاطه مباشرة، في حين اعتبر الحرس الثوري أنه من سيحدد نهاية الحرب، وتوعد بفرض حصار نفطي شامل على المنطقة.

وأثار خطاب ترامب المتذبذب حالة من الارتباك السياسي والعسكري، إذ أكد أن العمليات العسكرية التي تشنها الولايات المتحدة وإسرائيل حققت تقدماً سريعاً، وأن الصراع قد ينتهي خلال فترة قصيرة، لكنه في الوقت نفسه لوّح بتصعيد عسكري هائل إذا حاولت إيران تعطيل تدفق النفط عبر مضيق هرمز، مهدداً بأن أي خطوة من هذا النوع ستقابل بضربات أميركية أشد 20 ضعفاً مما تعرضت له حتى الآن.

Ad

وقال ترامب إنه لن يسمح لإيران بتهديد إمدادات الطاقة العالمية، وسيرد بقوة ساحقة إذا تم إغلاق المضيق الذي يمر عبره نحو خمس إمدادات النفط العالمية، مضيفا أن القوات الأميركية والإسرائيلية دمرت معظم القدرات العسكرية الإيرانية، بما في ذلك سلاح الجو والبحرية وأنظمة الدفاع الجوي، ولفت إلى أن أكثر من 5 آلاف هدف تعرّض للقصف منذ بداية العمليات.

لكنه أشار إلى أن الحرب قد تنتهي قريباً، مؤكداً أن العملية العسكرية تسير أسرع من الجدول الزمني المتوقع الذي كان يمتد لأسابيع، وهو ما فسره مراقبون بأنه محاولة لطمأنة الأسواق والداخل الأميركي الذي يواجه ضغوطاً نتيجة ارتفاع أسعار الطاقة.

وفي ظل المواقف المتناقضة، كشفت صحيفة وول ستريت جورنال أن عدداً من مستشاري ترامب نصحوه سراً بالبحث عن مخرج سريع، خوفاً من تراجع الدعم الشعبي للعملية العسكرية إذا تحولت إلى صراع طويل الأمد، خصوصاً مع ارتفاع أسعار النفط، وما يترتب عليه من تأثير مباشر على الاقتصاد الأميركي قبل انتخابات التجديد النصفي المقبلة.

بدوره، قال وزير الحرب بيت هيغسيث، خلال مؤتمر مع رئيس هيئة الأركان، الجنرال دان كاين، إن «إيران كانت تسابق الزمن للحصول على قنبلة نووية وأخذ العالم رهينة».

وأضاف: «مهمتنا منع إيران من امتلاك سلاح نووي بكل حزم، وهدفنا تدمير صواريخها وبنيتها العسكرية والبحرية أيضاً»، مبينا أن الضربات «اليوم على إيران ستكون الأشد، بعد أن شهدنا أقل معدل لإطلاقها صواريخ خلال الساعات الأربع والعشرين الأخيرة».

من جانبه، أكد رئيس هيئة الأركان أن التركيز حالياً على تدمير الصواريخ والمسيرات الإيرانية وقواتها البحرية وقاعدتها الصناعية وضرب سفن زرع الألغام، مؤكداً أن هجمات الحرس الثوري تراجعت%83 منذ بدء العملية.

وفي وقت سابق، نشرت القيادة المركزية للجيش الأميركي (سنتكوم) ملخصاً للأيام العشرة الأولى لعملية الغضب الملحمي المشتركة مع إسرائيل ضد إيران، موضحة أنها «بدأت بضرب أهداف لتفكيك جهاز الأمن الإيراني، مع إعطاء الأولوية للمواقع التي تشكل تهديدا وشيكا».

وبحسب «سنتكوم»، فإن حملة الغضب شاركت بها قاذفات «بي 1» و«بي 2» و«بي 52» وأنواع مختلفة من المقاتلات وحاملات الطائرات، والمدمرات و«قدرات خاصة لا يمكن تحديدها»، وشملت ضرب أكثر من 5 آلاف موقع في إيران بينها العديد من مقار ومواقع إنتاج الصواريخ والطائرات المسيّرة ومقار الحرس الثوري ومباني الاستخبارات.

وأشارت كذلك إلى مهاجمة أنظمة الدفاع الجوي، وصناعات تصنيع الصواريخ البالستية والطائرات المسيرة، ومواقع ومنصات الإطلاق، بالإضافة إلى أكثر من 50 سفينة وغواصة وقطعة تابعة للبحرية الإيرانية.

كسر عظم

في الأثناء، بدا رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو أكثر تشدداً، وأكد أن الحرب لم تنته بعد، وأن الضربات الإسرائيلية تهدف إلى «كسر عظام» النظام الإيراني وإضعافه إلى الحد الذي يمكّن الشعب الإيراني من تقرير مصيره، وأضاف أن إسرائيل حققت تقدماً كبيراً في الحرب، وان العمليات العسكرية مستمرة حتى تحقيق أهدافها الكاملة.

ومع استمرار الضربات، أعلنت إسرائيل أنها نفذت موجة واسعة من الغارات على طهران استهدفت مواقع عسكرية ومنشآت استراتيجية، بينها مختبرات نووية وقاذفات صواريخ.

وقال الجيش الإسرائيلي إنه دمر منصة إطلاق صواريخ إيرانية، بعد أن أطلقت دفعة من الصواريخ باتجاه الأراضي الإسرائيلية، ما أدى إلى تفعيل صفارات الإنذار في مناطق عدة، بينها تل أبيب والقدس.

كما خيم الدخان الأسود على العاصمة الإيرانية طهران بعد تعرّض مصفاة نفط لهجوم، في تصعيد خطير للهجمات التي تستهدف البنية التحتية للطاقة.

وحذر مدير منظمة الصحة العالمية من أن الحرائق الناجمة عن استهداف المنشآت النفطية قد تؤدي إلى تلوث واسع للهواء والمياه والغذاء في المنطقة.

على صعيد آخر، أشار الجيش الإسرائيلي إلى أنه سرح آلافاً من جنود الاحتياطي الذين تم استدعاؤهم في بداية الحرب، في خطوة فسّرها مراقبون على أنها محاولة لإدارة الموارد العسكرية بعد أكثر من 10 أيام من العمليات المتواصلة.

الحرب والنفط

في المقابل، ردّ الأمين العام للمجلس الأعلى للأمن القومي الإيراني، علي لاريجاني، على تهديدات ترامب بشأن هرمز قائلاً: «الشعب الإيراني العاشورائي لا يخشى تهديداتكم الجوفاء، فقد عجز الأكبر منكم عن محوه، فاحذروا أن تكونوا أنتم مَن يزول». وفُسّرت تصريحاته بأنها تهديد بتصفية الرئيس الأميركي

ورد الحرس الثوري سريعاً وأكد أن إيران هي من سيحدد نهاية الحرب وليس الولايات المتحدة، متوعداً بمنع تصدير النفط من الشرق الأوسط إذا استمرت الهجمات الأميركية والإسرائيلية.

وقال المتحدث باسم الحرس إنه لن يسمح بخروج «لتر واحد من النفط» من المنطقة إلى الدول المعادية وشركائها حتى إشعار آخر، مؤكداً أن أمن التجارة في المنطقة مرتبط بأمن إيران، وحث الدول الإقليمية على طرد السفراء الأميركيين والإسرائيليين من أراضيها مقابل السماح بمرور السفن عبر مضيق هرمز.

بدوره، أكد وزير الخارجية عباس عراقجي أن إيران مستعدة لمواصلة الضربات الصاروخية ضد إسرائيل «طالما كان ذلك ضرورياً»، مشدداً على أن المفاوضات مع الولايات المتحدة لم تعد مطروحة على جدول الأعمال في ظل استمرار الهجمات. وقالت «الخارجية» الإيرانية إن الشرط الأول لوقف النار هو توقف العدوان.

كما أعلن رئيس البرلمان محمد باقر قاليباف أن طهران لا تسعى إلى وقف النار في الوقت الحالي، مشدداً على ضرورة تلقين إسرائيل «درساً قاسياً» يمنعها من التفكير في مهاجمة إيران مرة أخرى.

وطالبت طهران بضمانات بعدم اعتداء أميركا أو إسرائيل عليها مجددا، ودفع تعويضات مالية عن الخسائر التي تسبب فيها الهجوم.

وأعلنت إيران أنها استهدفت مصافي نفط ومستودعات وقود في مدينة حيفا باستخدام طائرات مسيّرة، رداً على الهجمات التي طالت منشآت الطاقة داخل إيران.

وأفادت خدمات الإسعاف الإسرائيلية بأن الهجوم أدى إلى إصابة عدد من الأشخاص أثناء توجههم إلى الملاجئ، إضافة إلى حالات هلع بين السكان، فيما قتل 11 شخصاً في إسرائيل منذ بداية الضربات الإيرانية.

وفي إشارة إلى تصعيد نوعي للضربات الإيرانية، أعلن قائد القوة الجوفضائية في الحرس الثوري أن الصواريخ التي ستطلقها إيران مستقبلاً لن يقل وزن رؤوسها الحربية عن طن واحد.

وتأتي هذه التصريحات بعد تقارير إسرائيلية تحدثت عن إصابة محطة أرضية للأقمار الصناعية قرب تل أبيب بضربة مباشرة، مما قد يؤثر على خدمات الاتصالات والإنترنت في المنطقة.

وساطات دولية

وفي خضم التصعيد، كشف نائب وزير الخارجية الإيراني، مجيد تخت روانجي، عن وجود تحركات دبلوماسية لوقف الحرب، موضحاً أن عدة دول، من بينها الصين وروسيا وفرنسا، شاركت في اتصالات مع طهران لبحث إمكانية التوصل إلى وقف لإطلاق النار.

وأوضح أن طهران لن توافق على أي هدنة ما لم تتوقف الهجمات العسكرية بشكل كامل وتُقدم ضمانات بعدم تكرار الاعتداءات، مؤكداً أن قرار وقف الحرب يبقى بيد إيران.

وفي أبرز تطور للجهود الدبلوماسية، عرض الرئيس الروسي فلاديمير بوتين، خلال اتصال هاتفي مع ترامب ناقش الحرب في إيران وأزمة الطاقة العالمية، تقديم وساطة روسية للمساعدة في تهدئة الصراع.

وأكد المتحدث باسم «الكرملين»، دميتري بيسكوف، أن بوتين ‌قدم خيارات مختلفة للتوسط ‌والتهدئة في الصراع ‌الإيراني، ومقترحاته لا تزال مطروحة، مشدداً على أنه مستعد لتقديم أي مساعدة ممكنة لخفض حدة التوتر في ⁠الشرق الأوسط.

وقال «الكرملين» إن روسيا مستعدة لتقديم أي دعم ممكن لخفض التوتر في الشرق الأوسط، محذراً من أن الحرب قد تؤدي إلى أزمة طاقة عالمية نتيجة تعطل إمدادات النفط عبر مضيق هرمز.

بدوره، شدد الرئيس التركي رجب طيب أردوغان، خلال اتصال مع نظيره الإيراني مسعود بزشكيان، على ضرورة فتح باب الدبلوماسية ووقف التصعيد العسكري، مؤكداً أن تركيا تتأثر سلباً بصراع ليست طرفاً فيه.

وأبلغ أردوغان بزشكيان بأن انتهاك المجال الجوي التركي لأي سبب كان لا يمكن تبريره، محذراً من أنه سيواصل اتخاذ جميع الإجراءات اللازمة ضد مثل هذه الانتهاكات.

العدوان على الخليج

في موازنة ذلك، واصلت إيران عدوانها على دول الخليج لليوم الحادي عشر على التوالي، مستهدفة مباني سكنية ومنشآت نفطية ومقار دبلوماسية في البحرين والسعودية وقطر والإمارات.

وبعد إصابة 32 بحرينياً بينهم عدة أطفال في هجوم بطائرات إيرانية مسيرة على جزيرة سترة، واستهدفت محطة تحلية مياه، أعلنت وزارة الداخلية، أمس، مقتل امرأة (29 عاماً) وتسجيل 8 إصابات جراء عدوان إيران سافر على مبنى سكني بالمنامة.

وخلال زيارته «سلاح الجو»، شدد الملك حمد بن عيسى على أن «البحرين باتت أكثر اتحاداً وقوةً، وستظل ثابتة على نهجها الراسخ القائم على الحكمة والاعتدال وتعزيز السلام والتعاون»، مؤكداً حرصه على تعزيز علاقاتها الأخوية مع محيطها العربي والإقليمي والدولي بما يخدم أمن المنطقة واستقرارها.

وفي الإمارات، تصدت وزارة الدفاع أمس لهجمة إيرانية جديدة بصواريخ بالستية وكروز ومسيرات، والتي أدت إلى حريق في إحدى منشآت «مجمع الرويس» الصناعي في أبوظبي.

وقبل ساعات، أعلنت وزارة الدفاع البريطانية تنفيذ مقاتلاتها طلعات جوية دفاعية دعماً للإمارات، كما أسقطت مسيرات في مناطق أخرى بالمنطقة.

وفي السعودية، أعلن المتحدث باسم وزارة الدفاع تركي المالكي، أمس، اعتراض وتدمير صاروخ باليستي استهدف المنطقة الشرقية، و3 مسيرات بمحافظة الخرج. وكشف الدفاع المدني عن سقوط مسيرة على موقع سكني بمحافظة الزلفي نتجت عنه أضرار مادية.

قطر وتركيا

وفي قطر، أكد المتحدث باسم وزارة الخارجية، ماجد الأنصاري، مواصلة إيران مهاجمة البنية التحتية المدنية، محذراً من أن الهجمات على المنشآت الحيوية والنفطية في المنطقة ستؤدي إلى كارثة إنسانية يجب ألا تحدث، وأكد أن «شراكاتنا الدفاعية غير قابلة للنقاش».

وتزامناً مع تعرض الدوحة لهجوم صاروخي جديد، أشار الأنصاري إلى أن اعتذار الرئيس الإيراني لم يترجَم على أرض الواقع، وأن الهجمات على منشآت الطاقة سابقة خطيرة ستتسبب في خسائر اقتصادية بالمنطقة وتداعيات عالمية وخيمة.

وقال: «الاتصالات مستمرة مع جميع الأطراف لضمان وجود مخرج من هذا النزاع، وبالنسبة لنا يمكن حل كل شيء على طاولة المفاوضات. وفي الوقت الحالي قطر تتلقى اعتداءات يومية من إيران، لذا لا يمكن الحديث عن محادثات معها، بل يجب وقف الاعتداءات أولاً».

وفي العراق، أثارت إيران غضباً خليجياً واسعاً باستهدافها السفارة الإماراتية في أربيل بطائرة مسيرة. وأعربت الإمارات والكويت والسعودية وقطر عن إدانتها واستنكارها الشديدين للهجوم الإرهابي الغادر على السفارة الإماراتية، معتبرة أن استهداف البعثات والمقار الدبلوماسية انتهاك صارخ لكل الأعراف والقوانين وتصعيد خطير يهدد الأمن الإقليمي.

وفي تركيا، أعلنت وزارة الدفاع، أمس، نشر منظومة باتريوت الأميركية للدفاع الجوي بقاعدة ‌كورجيك في إقليم ملاطية، ‌في ⁠إطار إجراءات حلف ناتو لتعزيز الدفاعات الجوية في مواجهة ⁠صواريخ ‌إيران، القادمة باتجاه أراضي تركيا.