السوق لا يكافئ التوقع... بل يكافئ إدارة المخاطر. وفي سوق النفط لا تُقاس المخاطر بالصواريخ، بل بالبراميل.

ففي أسواق الطاقة لا تنتظر الأسعار وقوع الأزمة حتى تتحرك، بل تبدأ غالباً في تسعير المخاطر قبل أن تتحول إلى نقص فعلي في الإمدادات. ولهذا السبب يعود اسم مضيق هرمز إلى واجهة الأسواق كلما تصاعد التوتر في الشرق الأوسط.

الممر البحري الضيق الواقع بين إيران وسلطنة عُمان لا يمثل مجرد طريق ملاحي، بل يعد أحد أهم الشرايين الحيوية في الاقتصاد العالمي. فمن خلاله تمر تدفقات ضخمة من النفط والغاز، مما يجعل أي اضطراب فيه قادراً على إحداث صدمة فورية في أسواق الطاقة.

Ad

تشير تقديرات إدارة معلومات الطاقة الأميركية إلى أن نحو 20 مليون برميل من النفط الخام والمكثفات تمر عبر مضيق هرمز يومياً، أي ما يعادل خُمس تجارة النفط العالمية المنقولة بحراً. كما يعبر المضيق أيضاً نحو خُمس تجارة الغاز الطبيعي المسال عالمياً، يأتي معظمها من قطر ويتجه إلى الأسواق الآسيوية.

هذا الحجم الكبير من التدفقات يجعل المضيق نقطة الاختناق الأكثر حساسية في شبكة الطاقة العالمية. فتعطل الملاحة فيه – حتى لو كان جزئياً أو مؤقتاً – قد يخلق فجوة مفاجئة في الإمدادات، وهو ما يدفع الأسواق عادة إلى إعادة تسعير المخاطر بسرعة.

ورغم وجود بعض خطوط الأنابيب التي تسمح بتجاوز المضيق جزئياً، فإن قدرتها تبقى محدودة مقارنة بحجم التدفقات اليومية. فالسعودية والإمارات تمتلكان مسارات لنقل النفط إلى موانئ خارج الخليج، إلا أن الطاقة الإجمالية لهذه البدائل لا تمثل سوى جزء من الكميات التي تمر عبر المضيق عادة.

أما في سوق الغاز الطبيعي المسال، فالوضع أكثر حساسية. فعلى عكس النفط الذي يمكن تحويل جزء من صادراته عبر خطوط الأنابيب، فإن معظم صادرات الغاز المسال من قطر لا تملك مساراً بديلاً فعلياً، مما يجعل المضيق شرياناً حيوياً ليس فقط لسوق النفط بل لسوق الغاز العالمي أيضاً.

وهذا يعني أن أي تعطّل طويل في الملاحة قد يؤدي إلى تراكم النفط داخل الخليج وتقييد الصادرات، وقد يدفع بعض المنتجين إلى خفض الإنتاج مؤقتاً إذا لم تتمكن الشحنات من الوصول إلى الأسواق العالمية.

وفي مثل هذه الظروف، يبدأ السوق في التحرك قبل أن يتجسد النقص في الإمدادات فعلياً. فالمتعاملون يسارعون إلى تأمين الإمدادات تحسباً لأي اضطراب محتمل، وهو ما ينعكس في تحركات الأسعار.

وبالفعل ارتفعت أسعار النفط مع تصاعد التوترات في المنطقة، في إشارة إلى أن الأسواق بدأت بالفعل تسعير المخاطر المرتبطة بمضيق هرمز.

وغالباً ما يظهر هذا التوتر في تحركات السعر الفوري واتساع الفارق بينه وبين العقود الآجلة عندما يخشى المتعاملون نقصاً قريباً في الإمدادات، وهو ما يعكس تشديداً في السوق القصير الأجل.

التأثير الأكبر لأي اضطراب في مضيق هرمز يظهر في آسيا. فالدول الآسيوية – وعلى رأسها الصين والهند واليابان وكوريا الجنوبية – تمثل النسبة الأكبر من واردات النفط القادمة من الخليج. وتعتمد هذه الاقتصادات بدرجة كبيرة على نفط الشرق الأوسط لتغذية صناعاتها واقتصاداتها.

وفي حال تعطل الإمدادات لفترة طويلة، قد تضطر الدول المستوردة إلى البحث عن بدائل من مناطق أخرى مثل الولايات المتحدة وغرب إفريقيا والبرازيل. غير أن قدرة هذه المناطق على تعويض صادرات الخليج تبقى محدودة على المدى القصير، مما قد يدفع أسعار النفط وتكاليف الشحن إلى الارتفاع عالمياً.

ولا تتوقف تداعيات الأزمة عند سوق الطاقة فقط. فالنفط يدخل في صميم الاقتصاد العالمي، من النقل والصناعة إلى الغذاء والكهرباء، ولهذا فإن أي ارتفاع مستمر في أسعاره قد يعيد إشعال الضغوط التضخمية في العديد من الاقتصادات.

وهنا تجد البنوك المركزية نفسها أمام معادلة معقدة بين كبح التضخم والحفاظ على النمو الاقتصادي، خصوصاً في مرحلة لا تزال فيها العديد من الاقتصادات تتعامل مع آثار دورات التشديد النقدي الأخيرة.

وفي عالم يعتمد على تدفق ملايين البراميل يومياً عبر ممرات بحرية ضيقة، تبقى الحقيقة الأهم أن سوق الطاقة لا يتحرك فقط بفعل الصدمات العسكرية، بل بفعل الممرات التي يتدفق عبرها النفط.

* متخصص في تحليل الأسواق المالية العالمية