قرر إبراهيم وبدر العودة إلى موطنهما الأصلي فلسطين، وممارسة نشاطهما السينمائي هناك، وفي الطريق أصيب إبراهيم بمرض، واضطر الأخوان لمغادرة الباخرة في الإسكندرية، والبقاء في مصر، وأسسا شركة كوندور فيلم للإنتاج عام 1926، وقد أنتجت شركتهما تحت مسميات أخرى نحو 62 فيلمًا لهما ولآخرين في الفترة حتى عام 1951.
وكوّن الأخوان لاما أشهر ثنائي في السينما المصرية خلال عشرينيات القرن الماضي، ويُعد إبراهيم لاما أول من أحضر أجهزة ومعدات سينمائية إلى العالم العربي، وأول مخرج عربي ينقل أفلام الوسترن الأميركية، ويقدّمها بنكهة شرقية، وأيضًا أول مَنْ صوَّر في غابات السودان وكينيا وأحراشها، وتكرر في أفلامه نموذج البطل الذي يتّسم بالشهامة والفروسية.
وشاء القدر أن يرحل بدر (الشقيق الأصغر) عام 1947، وبعد 5 سنوات لحق به إبراهيم، وربما لو طال العمر بهما، لتمكّنا من اللحاق بفصل آخر جديد في حياة السينما المصرية بعد ثورة 1952، لكن إبراهيم توفي قبل شهور قليلة من قيام الثورة، وانطوت برحيلهما صفحة مضيئة من إسهامهما الرائد في السينما العربية.
ابن الصحراء
بدا إبراهيم لاما نشاطه السينمائي بالفيلم الروائي الصامت «قبلة في الصحراء» وتولّى كتابة السيناريو والتصوير والإخراج، وشارك في بطولته بدر لاما وإيفون جوين وإبراهيم ذوالفقار وجلاديس بلي، وصور الفيلم في استديو صغير أقيم في فيلا خاصة بمنطقة فيكتوريا بالإسكندرية، وعرض لأول مرة في 25 يناير 1928، ويحتل الفيلم رقم 3 في تسلسل الأفلام المصرية الروائية الطويلة.
وأعاد إبراهيم لاما إنتاج وإخراج هذا الفيلم في نسخة ناطقة بعنوان «ابن الصحراء» لكن بطاقم عمل مختلف، وشارك في البطولة محمود المليجي وأنور وجدي وبدرية رأفت وإحسان الجزايرلي ومحمد الديب ودرّية أحمد وبدر لاما (بطل النسختين)، وعرض الفيلم لأول مرة يوم 11 فبراير 1942، واستمر في دور السينما لأسابيع طويلة.
نجمة الشرق
وتمكّن المخرج الشاب من إقناع نجمة الشرق فاطمة رشدي ببطولة فيلمه الثاني «فاجعة فوق الهرم»، وشارك في التمثيل بدر لاما وعزيزة رشدي ووداد عرفي، وجرى تصوير الفيلم في الإسكندرية، وعُرِض لأول مرة في 5 ديسمبر 1928، وحقق إيرادات عالية، ويحتل رقم 6 في تسلسل الأفلام المصرية الروائية الطويلة.
وانطلق إبراهيم لاما إلى أحد القصور بمدينة القناطر الخيرية، لتصوير فيلمه الثالث «معجزة الحب»، بطولة بدر لاما وثريّا رأفت والمطربة نجاة علي ومنسي فهمي، وتدور أحداثه في إطار ميلودرامي غنائي.
وعُرض الفيلم لأول مرة في 10 ديسمبر 1930، ثم أُعِيد عرضه في سينما تريومف بالقاهرة لأسبوع واحد في 19 فبراير 1931، وتم اﻹعلان عن الفيلم بأنه ناطق، إلّا أنه لم يزد عن الأفلام الصامتة التي تم إنتاجها وقتها، سوى بضع أسطوانات غنائية للمطربة نجاة علي، ويحتل هذا الشريط السينمائي رقم 17 في تسلسل الأفلام المصرية الروائية الطويلة.
المعارف العمومية
انتقل الأخوان لاما إلى القاهرة عام 1930، وأسسا «استديو لاما»، وتزوج إبراهيم من إيزابيلا جورج، ورزق منها بولدين هما سمير وجودة، وأدى بدر لاما دور البطولة في معظم الأفلام التي أخرجها شقيقه، وقاسمته زوجته بدرية رأفت بطولتها مع فنانين آخرين.
واستهل إبراهيم نشاطه في القاهرة بإخراج «وخز الضمير» بطولة آسيا داغر ومنير فهمي وعبدالسلام النابلسي وأحمد جلال وماري كويني. ويدور الفيلم في إطار اجتماعي ميلودرامي حول أمين بك، المتزوج من امرأة أجنبية تُدعى مارجريت، وتقع الخلافات بينهما، لعدم التزامها بالقيم الشرقية، وعُرِض الفيلم في 25 نوفمبر 1931، وحقق إقبالًا جماهيريًا كبيرًا.
وبعد النجاح الملموس للفيلم، قررت الحكومة المصرية في ذلك الوقت، منح الجنسية المصرية للفنانة الفلسطينية الأصل آسيا داغر، تقديرًا لجهودها في التعبير عن قضايا اجتماعية، كما أعلنت وزارة المعارف العمومية شراء نسخة من الفيلم بمبلغ 160 جنيهًا من منتج ومخرج الفيلم إبراهيم لاما، لعرضه من خلال فعالياتها الثقافية، ويحتل «وخز الضمير» رقم 16 في تسلسل الأفلام المصرية الطويلة.
الفيلم المفقود
والتقى إبراهيم لاما مع النجمة بهيجة حافظ في الفيلم الصامت «الضحايا»، قصة وسيناريو وحوار بدر أمين، وعُرِض «الضحايا» لأول مرة مطلع ديسمبر 1932، وأعيد إنتاجه ليكون ناطقًا، وأُضيِفت إليه بعض المقاطع الغنائية بصوت المطربة ليلى مراد، وعُرض ناطقًا عام 1935، وظل الفيلم مفقودًا حتى عام 1995، وبعد العثور عليه، عُرض في العام ذاته ضمن فعاليات مهرجان القاهرة السينمائي، ويحتل الفيلم رقم 39 في تسلسل الأفلام المصرية الروائية الطويلة.
شبح من الماضي
وودّع إبراهيم لاما الأفلام الصامتة في «شبح من الماضي» تأليف إبراهيم حسين العقاد، وبطولة المطربة السورية نادرة (أول مطربة عربية تظهر على الشاشة المصرية) وبدر لاما وأمينة محمد. ويدور الفيلم في إطار ميلودرامي غنائي، وعُرِض لاول مرة في سينما كوزموجراف بالإسكندرية يوم الخميس 29 نوفمبر 1934، وفي القاهرة بسينما كوزمو يوم الخميس 6 ديسمبر من العام نفسه، واستمر عرضه لعدة أسابيع.
وتكرر لقاء إبراهيم لاما مع فاطمة رشدي في «الهارب» من تأليفه وإخراجه، وشارك في البطولة بدر لاما وعزيزة رشدي وعبدالسلام النابلسي والراقصة امتثال فوزي، التي لقيت مصرعها على يد فؤاد الشامي (بلطجي شارع عماد الدين) قبل عرض الفيلم، وكان لهذا الحادث أثر كبير في إقبال الجمهور على مشاهدته، وحقق إيرادات عالية بين الأفلام التي عُرِضت عام 1936.
قيس وليلى
قدّم إبراهيم لاما سلسلة من الأفلام تدور أحداثها في الصحراء، منها «نفوس حائرة» (1938) من تأليفه وإخراجه، وبطولة بدر لاما وليلى الشقراء وبدرية رأفت وعبدالسلام النابلسي وعباس فارس، ويتناول في إطار تشويقي حكاية المهندس فؤاد الموظف بإحدى الشركات، وذات يوم يكتشف منجمًا للذهب في منطقة صحراوية، ويحاول رجل الأعمال مرسي أن يستولي على خريطة موقع المنجم.
وعُرض «نفوس حائرة» لأول مرة في 7 أبريل 1938، ولاقى إقبالًا جماهيريًا كبيرًا، لكونه من أفلام الأكشن الرائدة، وظهرت من خلاله موهبة لاما في سرد سينمائي متلاحق، وتصوير المشاهد خارج البلاتوه، وإضفاء أجواء غامضة تثير خيال المشاهد، وتدفعه لمتابعة الأحداث حتى النهاية، ويحتل الفيلم رقم 78 في تسلسل الأفلام المصرية الطويلة.
وجسّد لاما «قيس وليلى» على الشاشة، سيناريو وحوار السيد زيادة، وبطولة بدر لاما ومحمود المليجي ونجمة المسرح أمينة رزق في أول بطولة سينمائية بعد مشاركتها في 4 أفلام، وعرض الفيلم في 9 نوفمبر 1939، ويُعد أول فيلم مصري يتناول تلك القصة الرومانسية الشهيرة، ويحتل هذا الشريط السينمائي رقم 105 في تسلسل الأفلام المصرية الطويلة.
الكنز المفقود
وتتابعت رحلة إبراهيم لاما خلف الكاميرا، وقدّم سلسلة من الأفلام الناجحة، منها «ليالي القاهرة»، و»الكنز المفقود» (1939)، و»رجل بين امرأتين» و»صرخة في الليل» (1940)، والفيلم التاريخي «صلاح الدين الأيوبي» (1941)، و»خفايا الدنيا» (1942)، و»يسقط الحب» (1943)، و»الحلقة المفقودة» و»سكة السلامة» (1948)، و»البيت الكبير» (1949).
وظل إبراهيم لاما يكتشف النجوم حتى آخر أفلامه، ومنح أول بطولة سينمائية لابنه سمير لاما والمطربة شادية في «عاصفة في الربيع»، وعُرِض الفيلم في 7 مايو 1951، وأسدل الستار على مشواره الفني بفيلم «القاقلة تسير»، الذي عُرض في 2 يوليو من العام ذاته، وبعد شهور قليلة رحل المخرج الرائد على نحو مأساوي، تاركًا بصمة متفرّدة لا تنمحي من ذاكرة السينما العربية.
تلفزيون فلسطين يحتفي بمسيرة «الأخوان لاما»
تتحدر أصول المخرج إبراهيم لاما من فلسطين، رغم مولده في تشيلي بأميركا الجنوبية، وشاء القدر أن يستقر في مصر، وبعد مرور نحو 60 عامًا على رحيله، أعد المخرج الفلسطيني رائد دزدار فيلمًا وثائقيًا بعنوان «الأخوان لاما» من إنتاج تلفزيون فلسطين عام 2013، احتفاءً بمسيرة إبراهيم وبدر لاما السينمائية.
وعُرِض الفيلم في مسرح وسينماتك «القصبة» وسط مدينة رام الله، وتضمّن تفاصيل الرحلة الطويلة في البحث عن عائلة الأعمى في بيت لحم، حيث تم تصوير الكثير من اللقاءات مع أبناء عمومتهما وذكرياتهم المشتركة، عندما كان يزور الأخوان لاما مدينتهما، خصوصًا في سنة 1936، التي شهدت فيها فلسطين واحدًا من أطول الإضرابات العامة في التاريخ، وقاما بتصوير فيلم «الهارب»، الذي شارك في تمثيله بعض أبناء عمومتهما.
رسالة غامضة تكشف سر انتحار المخرج المشهور
أثارت النهاية المفجعة للمخرج إبراهيم لاما ردود فعل متباينة، وتصدّرت تفاصيل الحادث المأساوي صفحات الجرائد المصرية، وعلى صفحتها الأولى يوم 14 مايو 1952 كتبت جريدة الأهرام: «مخرج سينمائي يقتل زوجته وينتحر»، وبدأت الواقعة بنشوب خلافات حادة بين المخرج وطليقته بسبب الغيرة الزائدة ورفضها العودة إلى منزل الزوجية، فأطلق عليها الرصاص، ثم انتحر بنفس المسدس.
وتلقى قسم بوليس الأزبكية نبأ حادث قتل في المنزل رقم 158 بشارع الملكة، وانتقل على الفور مأمور القسم البكباشي حسن كامل ونائبه الصاغ حافظ عفيفي، والملازم أول سعد عفيفي، ولحق بهم وكيل النائب العام. وفي الطابق الأول عُثر على جثمان سيدة في الثامنة والعشرين من عمرها مصابة بأعيرة نارية في بطنها ورأسها وظهرها وإلى جوارها إبراهيم ورأسه مصابًا برصاصة، وكان قلبه لا يزال ينبض، وعُثِر إلى جوارهما على مسدس ألماني الصنع، وفارق إبراهيم الحياة قبل وصوله للمستشفى.
واستمعت النيابة لأقوال صاحب المنزل الذي وقع فيه الحادث، وأفاد بأنه كان نائمًا واستيقظ عند وصول إبراهيم لاما وشهد استقبال زوجته له، ثم انصرفا إلى الفناء الداخلي وسمع الحوار الذي دار بينهما، وإصرارها على عدم العودة إلى منزل الزوجية، بسبب سوء معاملته لها، وكانت تتحدث بصوت عالٍ إلى أن سمع طلقًا ناريًا تبعه آخر، أما الأول فكان في جسد طليقته، والثاني أنهى به حياته. وعاينت النيابة منزل إبراهيم بعد وفاته، فعثرت هناك على رسالة غامضة موجّهة إلى النيابة العامة، وتحمل نفس تاريخ وقوع الحادث، يقول فيها إنه سيقوم بآخر المحاولات مع زوجته لعودتها لمنزل الزوجية، وأنه سيضع حدًا للأمر.