مع مواصلة إيران هجماتها السافرة على جيرانها وتركيز اليوم العاشر على المنشآت النفطية والمناطق السكنية، صعّدت دول مجلس التعاون الخليجي دبلوماسياً في مواجهة العدوان الغادر وغير المسبوق على أراضيها، محذرة من أن طهران تدمر كل شي وستكون الخاسر الأكبر من استمرار الحرب.
وفي ظل تكثف الاتصالات الدولية والإقليمية لاحتواء الأزمة المتفاقمة ومنع انزلاقها إلى مواجهة أوسع تهدد الأمن الإقليمي والعالمي، أكدت دول الخليج أن استمرار إيران في هجماتها لن يؤدي إلا إلى مزيد من التصعيد، مشددة على حقها الكامل في اتخاذ جميع الإجراءات اللازمة لحماية أمنها وسيادتها وردع العدوان.
وجددت السعودية أمس، إدانتها القاطعة للهجمات الإيرانية التي استهدفتها واستهدفت دول مجلس التعاون وعدداً من الدول العربية والإسلامية والصديقة، مؤكدة أن هذه الاعتداءات لا يمكن قبولها أو تبريرها بأي حال من الأحوال.
وشددت وزارة الخارجية السعودية، في بيان، على أن المملكة تحتفظ بحقها الكامل في اتخاذ جميع الإجراءات اللازمة التي تكفل حماية أمنها وسيادتها وسلامة المواطنين والمقيمين وردع أي عدوان، مؤكدة أن استهداف الأعيان المدنية والمطارات والمنشآت النفطية يمثل انتهاكاً صارخاً للقانون الدولي ويؤكد الإصرار على زعزعة الأمن والاستقرار في المنطقة.
وأشارت وزارة الخارجية السعودية إلى أن دعوة الرئيس الإيراني مسعود بزشكيان لعدم الاعتداء على دول الجوار لم يتم تطبيقها على أرض الواقع، واستمرت الهجمات الإيرانية رغم تلك التصريحات، مؤكدة أن المزاعم التي تحدثت عن انطلاق طائرات مقاتلة وطائرات تزود بالوقود من المملكة للمشاركة في الحرب لا أساس لها من الصحة.
وأوضحت الخارجية السعودية أن هذه الطائرات تقوم فقط بدوريات جوية لحماية أجواء المملكة ودول مجلس التعاون من الصواريخ والطائرات المسيّرة الإيرانية.
وحذرت السعودية من أن الاعتداءات الإيرانية المتواصلة تعني مزيداً من التصعيد وأن لهذا الأمر تأثيرات عميقة على العلاقات الحالية والمستقبلية، مشددة على أن ما تقوم به إيران لا يعكس الحكمة ولا يخدم مصالحها، وأن توسيع دائرة المواجهة سيجعل طهران الخاسر الأكبر.
خيانة كبرى
وفي الدوحة، وجه رئيس الوزراء وزير الخارجية الشيخ محمد بن عبدالرحمن انتقادات حادة لإيران، واصفاً عدوانها على دول الخليج بأنه «سوء تقدير خطير» يهدد استقرار المنطقة بأكملها.
وقال بن عبدالرحمن، لشبكة «سكاي نيوز» إن قطر، التي حافظت طويلاً على قنوات دبلوماسية مفتوحة مع طهران حتى في أكثر اللحظات توتراً، «لديها شعور كبير بالخيانة فبعد ساعة واحدة فقط من بدء الحرب، تعرضت مع دول الخليج الأخرى للهجوم. رغم أننا أوضحنا أننا لن نشارك في أي حروب ضد جيراننا».
وأكد أن قطر لم تكن تتوقع إطلاقاً أن تتعرض لهذه الهجمات من دولة جارة، وأنها حرصت دائماً على الحفاظ على علاقات جيدة مع إيران لكنها ترفض بشكل قاطع المبررات والذرائع التي تستخدمها طهران لتبرير هذه الهجمات.
وأشار إلى أن الدوحة تمرّ بفترة صعبة للغاية لكنها تثق بقدرة قواتها الدفاعية والأمنية على التعامل مع التحديات.
وأكد رئيس الوزراء القطري أن استهداف البنية التحتية المدنية مثل المطارات ومرافق المياه ومنشآت الغاز لا علاقة له بالحرب، مشيراً إلى أن نحو 25 من الهجمات الإيرانية استهدفت مواقع مدنية.
كما حذر من التداعيات العالمية للتصعيد في الخليج، لافتاً إلى أن قطر توفر نحو 20 في المئة من الغاز الطبيعي في العالم، ما يعني أن أي اضطراب طويل الأمد في المنطقة سيؤثر في أسواق الطاقة وإمدادات الغذاء العالمية.
بدوره، جدد مجلس الشورى القطري إدانته الشديدة لاعتداءات إيران السافرة واستمرار هجماتها بالصواريخ البالستية والطائرات المسيرة والطائرات الحربية، مستنكراً ادعاءات وزير خارجيتها عباس عراقجي وتبريره غير المنطقي بأن الهجمات موجهة للمصالح الأميركية ولا تستهدف قطر معرباً عن رفض هذه الادعاءات جملة وتفصيلاً.
لا مبرر ولا ذريعة
إلى ذلك، أكد ملك البحرين حمد بن عيسى أن الاعتداءات الإيرانية غير المسبوقة لا يمكن تبريرها تحت أي ذريعة، مشيراً إلى أن البحرين لم تبادر يوماً إلى استعداء أحد وأنها تتبع نهج التعاون وحسن الجوار.
وأشاد الملك حمد بجهود القوات المسلحة والأجهزة الأمنية التي تصدت للهجمات وأحبطت محاولات استهداف البلاد، مؤكداً أن هذا الأداء يعكس مستوى الجاهزية العالية لحماية أمن المملكة وسلامة مواطنيها والمقيمين فيها.
كما ثمّن الدعم والتضامن الخليجي الذي أبدته الدول الشقيقة في مواجهة الاعتداءات، مشيراً إلى أن الاتصالات التي تلقتها البحرين من الدول الصديقة تعكس حجم التقدير الدولي لمواقف المملكة واستقرارها.
وفي إطار التحركات الدولية، بحث الملك البحريني والرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون خلال اتصال هاتفي التطورات الإقليمية وتداعياتها على الأمن والسلم الإقليمي والدولي.
وأكد ماكرون تضامن فرنسا الكامل مع البحرين وإدانته للهجمات الإيرانية التي استهدفتها، مشدداً على وقوف فرنسا إلى جانب المملكة في مواجهة هذه الاعتداءات.
كما أعلن ماكرون أنه أجرى اتصالات هاتفية مع نظيريه الأميركي دونالد ترامب والإيراني مسعود بزشكيان، مؤكداً أنه طالب طهران بوقف ضرباتها فوراً ضد دول المنطقة خفض التصعيد في أسرع وقت ممكن.
وأبلغ ماكرون خلال الاتصال مع بزشكيان بضرورة أن تضع إيران حداً لإغلاق مضيق هرمز وأن تضمن حرية الملاحة.
في المقابل، اعتبر بزشكيان خلال الاتصال أن «التحركات الإيرانية تندرج في إطار ما وصفه بالدفاع المشروع»، محذراً من أن «أي تدخل خارجي لدعم خصوم إيران سيعد مشاركة في الحرب».
اعتداءات وحلول
من جهته، بحث الرئيس الإماراتي الشيخ محمد بن زايد آل نهيان مع ترامب التطورات المتسارعة في المنطقة وتداعيات التصعيد العسكري والاعتداءات الإيرانية على دول الخليج.
وأكد الرئيسان أن الاعتداءات الإيرانية السافرة والمستمرة التي تستهدف الإمارات وعدداً من دول المنطقة، تمثل انتهاكاً لسيادة هذه الدول وتهديداً مباشراً لأمنها واستقرارها.
وذكرت وزارة الخارجية الإماراتية أن الدولة تمارس حقها المشروع في الدفاع عن النفس في مواجهة الاعتداء الإيراني الغاشم وغير المبرر، الذي شمل إطلاق أكثر من 1400 صاروخ بالستي وطائرة مسيرة استهدفت بنية تحتية ومواقع مدنية داخل الدولة.
في السياق ذاته، كثفت عدة أطراف دولية تحركاتها الدبلوماسية لخفض التصعيد، حيث جدد الرئيس المصري عبدالفتاح السيسي إدانته للعدوان على الأشقاء من الدول العربية، داعياً إلى إعطاء الفرصة لوقف الحرب والبحث عن الحلول السلمية لأنه لا تسويات دون حوار.
وقال السيسي، خلال احتفالات مصر بيوم الشهيد والمحارب القديم، «منطقتنا تشهد ظرفاً دقيقاً مصيرياً، فالحرب الجارية الآن، سوف تترتب عليها تداعيات إنسانية واِقتصادية وأمنية جسيمة، لذا فإن مصر وهي تدين العدوان على أشقائها من الدول العربية، تدعو إلى إعطاء الفرصة لوقف الحرب، والبحث عن الحلول السلمية، فلا تسويات دون حوار... ولا حلول دون تفاوض... ولا سلام دون تفاهم، يضمن الأمن ويصون المقدرات، ويحمي الشعوب من ويلات الحروب».
في الأثناء، أجرى وزير الخارجية المصري بدر عبدالعاطي سلسلة اتصالات مع عدد من نظرائه الخليجيين والأوروبيين لبحث تطورات الوضع الإقليمي، مؤكداً رفض مصر القاطع لأي اعتداء يستهدف سيادة الدول العربية الشقيقة، ومشدداً على ضرورة وقف هذه الهجمات فوراً وتغليب الحلول السياسية والدبلوماسية لتجنب انزلاق المنطقة إلى مواجهة أوسع.
من جانبها، دعت الصين إلى وقف العمليات العسكرية فوراً، وحث مبعوثها الخاص إلى الشرق الأوسط تشاي جون خلال محادثات منفصلة مع وزير الخارجية السعودي الأمير فيصل بن فرحان والأمين العام لمجلس التعاون الخليجي جاسم البديوي خفض التصعيد وإدانة الهجمات التي تستهدف المدنيين.
وشدد تشاي جون على أن سيادة دول الخليج وسلامة أراضيها يجب أن تكون مصونة وأن بكين مستعدة للقيام بدور بناء في دعم جهود السلام ووقف القتال.
وفي اليابان، أجرى وزير خارجيتها توشيميتسو موتيجي اتصالاً هاتفياً مع نظيره الإيراني ناقشا خلاله تطورات التصعيد العسكري في المنطقة وتداعياته على الأمن الإقليمي والدولي.
وندد موتيجي بتصرفات طهران، معتبراً أن الاعتداءات الإيرانية انتهاكاً صارخاً للقانون الدولي، وأكد رفض اليابان المطلق لأي فعل يهدد الاستقرار.
بدوره، أعرب رئيس الوزراء الماليزي أنور إبراهيم عن استعداده لدعم أي جهود دولية للوساطة والتفاوض بهدف وقف التصعيد العسكري في منطقة الخليج وغرب آسيا، محذراً من أن استمرار العنف قد يجر دولاً إضافية إلى الصراع ويؤدي إلى تداعيات خطيرة على الاقتصاد العالمي وإمدادات الطاقة.
النفط والمدنيون
ميدانياً، تواصلت الهجمات الإيرانية على دول الخليج، وأعلنت البحرين إصابة 32 مدنياً جراء هجوم بطائرات مسيرة استهدف جزيرة سترة جنوب العاصمة المنامة، بينهم أربع حالات خطرة وأطفال احتاجوا إلى تدخل جراحي.
كما تعرضت عدة منازل لأضرار نتيجة الهجوم، فيما أعلنت السلطات رفع مستوى الجاهزية في القطاع الصحي للتعامل مع الحالات المصابة.
وفي تطور لافت، أعلنت شركة «بابكو إنرجيز» التي تدير مصفاة النفط الرئيسية في البحرين حالة القوة القاهرة على عملياتها بعد تعرض إحدى وحداتها لهجوم إيراني أدى إلى اندلاع حريق في مجمع المعامير النفطي ووقوع أضرار مادية، قبل أن تتمكن الجهات المختصة من السيطرة على الحريق دون تسجيل خسائر بشرية.
وأكدت الشركة أن احتياجات السوق المحلي من الطاقة ما تزال مؤمنة بالكامل وفق الخطط الاستباقية الموضوعة.
وفي السعودية، أعلنت وزارة الدفاع إحباط هجمات بطائرات مسيرة استهدفت حقل شيبة النفطي شرق المملكة قرب الحدود الإماراتية، وفي وقت سابق قتل شخصين وإصابة 12 آخرين بعد سقوط مقذوف إيراني في منطقة سكنية بمحافظة الخرج.
في الأثناء، أعلنت القيادة المركزية الأميركية (سنتكوم) أمس مقتل سابع جندي لها في الحرب مع إيران، موضحةً أنه توفي متأثراً بجراح أصيب بها في هجوم إيراني استهدف القوات الأميركية بالسعودية في 1 مارس.
وفي الإمارات، أعلنت حكومة إمارة الفجيرة نشوب حريق في منطقة فوز البترولية، نتيجة سقوط شظايا ناجمة عن اعتراضات ناجحة لمنظومات الدفاعات الجوية، مؤكدة أن فرق الاستجابة احتوت الموقف دون تسجيل إصابات.
وأكدت وزارة الدفاع الإماراتية أن منظومات الدفاع الجوي دمرت 12 صاروخاً باليستياً من أصل 15 سقط 3 منها بالبحر، بالإضافة إلى اعتراض 17 طائرة مسيرة قادمة من إيران من اصل 18، مؤكدة أن الأصوات التي سمعت في عدة مناطق كانت نتيجة عمليات اعتراض ناجحة للصواريخ والمسيرات.
كما أعلنت حكومة إمارة أبوظبي إصابة شخصين أردني ومصري نتيجة سقوط شظايا عقب عمليات الاعتراض.
ولاحقاً، أعلنت وزارة الدفاع الإماراتية مقتل «اثنين من عناصر قواتها المسلحة جراء سقوط مروحية بسبب عطل فني أثناء أداء واجبهما الوطني بالدولة».
وفي قطر، اعترضت وزارة الدفاع هجوماً صاروخياً، فيما سمع دوي انفجارات في العاصمة الدوحة نتيجة عمليات الاعتراض.
كما أعلنت وزارة الداخلية القطرية توقيف 313 شخصاً من جنسيات مختلفة بتهمة تصوير ونشر مقاطع مصورة ومعلومات مضللة حول الهجمات بهدف إثارة الرأي العام، داعية السكان إلى الاعتماد على المصادر الرسمية للحصول على المعلومات..
وفي سياق التصعيد العسكري، أعلن الحرس الثوري الإيراني إطلاق الموجة 30 من عملياته ضمن ما سماه «الوعد الصادق 4»، مؤكداً استخدام صواريخ «خرمشهر» و«فتاح» و«خيبر» إضافة إلى الطائرات المسيّرة الاستراتيجية.
ومع اتساع دائرة التوترات الإقليمية، وفي تطور هو الثاني من نوعه، أعلنت وزارة الدفاع التركية أمس أن دفاعات حلف الناتو المنتشرة في شرق البحر المتوسط دمرت صاروخاً بالستياً أطلق من إيران باتجاه تركيا، موضحة أن حطام الصاروخ سقط في إقليم غازي عنتاب جنوب شرقي البلاد دون وقوع إصابات.
وفي وقت سابق أعلنت وزارة الدفاع التركية نشر 6 مقاتلات من طراز إف-16 وأنظمة دفاع جوي في شمال قبرص كإجراء احترازي في ظل التطورات الأمنية المتسارعة في المنطقة، مشيرة إلى أن إجراءات إضافية قد تُتخذ إذا لزم الأمر.
وفي إسرائيل، قتل عاملان وأصيب ثالث بجروح خطيرة في قصف صاروخي إيراني استهدف أمس وسط الدولة العبرية.
وفق قناة «13»، فإن إيران أطلقت وابلاً من القذائف باتجاه إسرائيل أدى إلى وقوع ستة حوادث شظايا، مشيرة إلى أنه في موقع بناء، أعلن عن وفاة عاملين صينيين بعد إصابتهما بشظايا، لافتة إلى أنه في حادث آخر في أور يهودا، أصيب رجل بجروح خطيرة.
وأفادت بحدوث دمار واسع النطاق في المواقع المستهدفة، كاشفة عن أن صفارات الإنذار دوت عدة مرات في أنحاء إسرائيل ليلة أمس عقب إطلاق صواريخ من إيران.
وبينما نفى المتحدث باسم وزارة الخارجية الإيرانية إسماعيل بقائي استهداف أذربيجان أو تركيا أو قبرص، وحذر من «محاولات مفبركة لإثارة الفتن وجرّ المنطقة إلى تصعيد غير مبرر»، شهد كنيس يهودي في مدينة لييج البلجيكية انفجاراَ أمس قالت السلطات إنه هجوم معاد للسامية تسبب في أضرار مادية دون وقوع إصابات.
وجاء الهجوم في خضم تقييمات استخباراتية من أن إيران والجماعات المتحالفة معها قد تستهدف المصالح الأميركية واليهودية بهجمات انتقامية رداً على مقتل مرشدها الراحل علي خامنئي في ضربات إسرائيلية وأميركية.
وقال عمدة لييج ويلي ديماير ومجلس المدينة إن هذا العمل العنيف المُعادي للسامية يناقض تقاليد المدينة باحترام الآخرين. وأضافا: «لا يمكن أن يكون هناك أي مجال لاستيراد الصراعات الخارجية إلى مدينتنا».