في الأزمات الكبرى لا تُختبر المؤسسات ببياناتها، ولا بشعاراتها، بل برجالها ونسائها في الميدان. وعندما تشتد اللحظات ويختلط القلق بالترقب، يظهر أولئك الذين لا ينتظرون التعليمات ولا يسألون عن التوقيت المناسب، بل يتحركون فوراً، لأن الواجب بالنسبة لهم ليس خياراً، بل مسؤولية. هؤلاء هم متطوعو الهلال الأحمر الكويتي. صباح السبت لم يكن صباحاً عادياً. مع بداية سقوط الصواريخ وتصاعد التوتر في المنطقة، كانت البلاد تعيش لحظة قلق حقيقية. الأخبار تتلاحق، والناس تتابع ما يجري بقلوبٍ مشدودة، والكل يسأل عمَّا يمكن أن يحدث بعد ذلك. في مثل هذه اللحظات يتوقف كثيرون عند حدود الترقب، لكن هناك دائماً مَنْ يتقدم خطوةً إلى الأمام. لم يكن هناك تعميم رسمي أو استعداد طويل. لم تُعقد اجتماعات طارئة، ولم تُكتب خطط جديدة. ومع ذلك، ما إن انتشر الخبر حتى بدأ النداء ينتقل بين المتطوعين بسرعةٍ مذهلة.
خلال وقت قصير بدأت الهواتف تتحرَّك، والرسائل تتبادل، والوجوه المألوفة في العمل الإنساني تبدأ بالتجمُّع. بكل عفوية تشكَّلت الفرق. لم يكن ذلك ارتباكاً، بل كان انعكاساً لسنوات من العمل المشترك والخبرة الميدانية. كل متطوع يعرف موقعه، وكل فريق يعرف مهمته، وكأن الجميع يتحرَّكون بروحٍ واحدة تُدرك أن الوقت في الأزمات لا يحتمل التردُّد.
هذا المشهد لم يأتِ من فراغ، ولم يُولد في لحظة الخطر وحدها. فسرعة الاستجابة والانضباط اللذان ظهرا بين متطوعي الهلال الأحمر الكويتي هما ثمرة سنوات طويلة من التدريب والعمل المتراكم داخل الجمعية. وهي جهود بذلتها إدارات سابقة عملت على إعداد المتطوعين وتأهيلهم ليكونوا دائماً على جاهزية عالية لمواجهة الأزمات. لقد ساهمت تلك الجهود في بناء ثقافة ميدانية حقيقية داخل «الهلال الأحمر»، ثقافة تقوم على المبادرة والانضباط والعمل الجماعي. لهذا لم يكن مستغرباً أن تتحرَّك الفرق بهذه السرعة، وأن تتشكَّل بهذه الثقة، لأنهم ببساطة اعتادوا أن يكونوا في الصف الأول.
هذا الإرث الإنساني صنعه رجال كثيرون مرّوا بهذه المسيرة، وتركوا أثرهم فيها، ومن بينهم رجال لن تُنسى بصماتهم في ذاكرة «الهلال الأحمر» والعمل الإنساني. رحمك الله وغفر لك يا برجس حمود البرجس، فقد كنت من الرجال الذين تركوا أثرهم الصادق في هذه الجمعية، ومن الأسماء التي ارتبطت بالعمل الإنساني المخلص. عرفت الميدان، وعرفت المتطوعين، وكنت تؤمن بأن قوة «الهلال الأحمر» ليست في مبانيه، ولا في مناصبه، بل في رجاله ونسائه الذين يحملون رسالة الإنسان قبل أي شيءٍ آخر. سيبقى اسمك حاضراً في ذاكرة مَنْ عملوا معك، وفي كل موقفٍ يتقدَّم فيه المتطوعون لخدمة الناس من دون تردُّد.
متطوعو الهلال الأحمر الكويتي أثبتوا مرةً أخرى أنهم خط الإنسانية الأول في المجتمع. هم الذين يتحرَّكون عندما تضيق الظروف، ويقفون في الميدان عندما يتراجع الآخرون، ويقدِّمون الإنسان قبل كل اعتبار. وفي زمنٍ كثرت الشعارات وقلَّت الأفعال، يبقى هؤلاء شاهداً حياً على أن العمل الإنساني الحقيقي لا يزال موجوداً، لأن «الهلال الأحمر» بالنسبة لهم ليست مجرَّد جمعية، بل منزل لا يتركونه حين تشتد الأزمات.