لا عقل ولا منطق ولا مبرر قانونياً يسند الذرائعية الإيرانية في اعتداءاتها المتكررة على الكويت ودول الخليج. التذرّع بوجود قواعد أو مصالح أميركية ليس سوى تبسيطٍ مُخلّ وتسطيحٍ لقضية أكثر تعقيداً، قضية لم يتمكن نموذج التفكير الإيراني القائم من مقاربتها بواقعية أو مسؤولية. 

فالكويت ودول الخليج لم تكن يوماً طرفاً في صراع مع إيران، ولم تنتهك سيادتها، ولم تسعَ إلى تهديد أمنها، ومن ثمّ فإن تحويل الجوار الجغرافي إلى ساحة رسائل عسكرية يفتقر إلى السند القانوني ويصطدم بمبدأ عدم التدخُّل الذي يُعد حجر الزاوية في النظام الدولي. إن استسهال القوة لتبرير الموقف السياسي لا يحلّ الأزمات، بل يضاعفها ويعقّد مساراتها.

حقيقة المشكلة ليست في قواعد عسكرية هنا أو مصالح اقتصادية هناك، بل في مشروعٍ استراتيجي أوسع وضعت إيران نفسها في قلبه. فالمشروع النووي، بما يحمله من غموض وحدود غير واضحة لمخاطره، يثير قلقًا إقليميًا ودوليًا مشروعًا. 

Ad

إن السعي لامتلاك قدرات نووية خارج إطار الثقة والشفافية الكاملة لا يُقرأ باعتباره مسألة سيادية داخلية فحسب، بل باعتباره عاملًا يُعيد تشكيل موازين القوى ويُدخل المنطقة في سباق تسلّح غير مأمون العواقب. الأمن الإقليمي لا يُبنى على فرضيات الردع الغامضة والخطابات المطمئنة، بل على وضوح الالتزامات وتوازن المصالح. وكلما اتسعت الفجوة بين الخطاب والممارسة، تعمّق الشك وارتفعت كلفة الاستقرار.

ويأتي برنامج الصواريخ البالستية ليضيف بُعدًا آخر للأزمة، فهذه الصواريخ، بمدياتها وقدراتها التدميرية، ليست أدوات دفاعية صرفة كما يُروَّج، بل عناصر ضغط سياسي وعسكري تؤثر مباشرة في أمن الجوار. إدخال مثل هذه المنظومات إلى معادلة إقليمية حساسة لا يعزّز الأمن، بل يرفع منسوب التوتر ويزيد احتمالات سوء الحسابات. فالاستقرار لا يقوم على تكديس أدوات القوة، بل على إدارة المخاطر وتقليص دوافع التصعيد، وحين تصبح الصواريخ لغة السياسة، تتراجع مساحة الدبلوماسية ويضيق أفق الحلول.

الأكثر تعقيدًا هو نمط بناء النفوذ عبر دعم ميليشيات وجماعات مسلحة داخل دولٍ ذات سيادة، أحيانًا ضد إرادتها الوطنية. هذا النهج لا ينسجم مع قواعد حسن الجوار ولا مع مبادئ السيادة، بل يُسهم في إضعاف مؤسسات الدول الوطنية ويُغذّي انقسامات داخلية طويلة الأمد. تصدير الأزمات إلى محيطٍ أوسع قد يمنح مكاسب تكتيكية، لكنه يُراكم خسائر استراتيجية على المدى البعيد، فالدول لا تستقر بتفكيك محيطها الإقليمي، بل بتعزيز الثقة المتبادلة واحترام إرادة الشعوب.

وفي خضمّ هذا المسار، يبقى الشعب الإيراني هو الطرف الذي يدفع كلفة الاختيارات الإستراتيجية. موارد هائلة استُثمرت في مشاريع عسكرية ونفوذٍ خارجي، بينما يعاني الداخل ضغوطا اقتصادية واجتماعية مزمنة. لا يمكن فصل السياسة الخارجية عن كلفة الداخل، ولا يمكن تجاهل أن الأمن الحقيقي يبدأ من رفاه المواطن واستقرار مجتمعه. حين تُقدَّم الأولويات العسكرية على التنمية المستدامة، يصبح التوتر الخارجي امتداداً لاختلالات داخلية لم تُعالَج.

إن جوهر الأزمة إذن ليس في وجود قاعدة هنا أو مصلحة هناك، بل في تصورٍ للأمن يقوم على التمدد والمراكمة بدل الشفافية والتكامل. الكويت ودول الخليج، وهي تتمسك بالقانون الدولي ومبادئ حسن الجوار، لا تبحث عن مواجهة، بل عن استقرارٍ متوازن يحفظ سيادة الجميع. فالأمن لا يُبنى بالصواريخ، ولا يُصان بالميليشيات، ولا يُقاس بقدرة الردع وحدها، بل يُرسَّخ حين تختار الدول أن تكون جزءًا من نظامٍ إقليمي قائم على الاحترام المتبادل. ومن دون مراجعة إيران، بشجاعةٍ وعقلانية، لنهجها ومسارها، ستظل ذرائعها تتكرر، فيما يبقى جوهر مأزقها عصيًا على الحل.