ننتصر كما انتصر العرب على الفرس في «ذي قار» المعركة التاريخية... كأنني أسمع «شادي الخليج»، ومن رحاب الكويت، يشدو بكلمات د. عبدالله العتيبي، ويشنف الآذان بأنشودة النصر بين كاظمة وجبال وارة.
إنها الكويت، رأس حربة العرب في مواجهة الفرس، إنه انتصار جديد، وتاريخ تُعاد كتابته بدماء الشهداء، وأهازيج النصر بين كاظمة وجبال وارة من عهد «ذي قار» إلى المطلاع.
إنه ظلم التاريخ، وجور الجغرافيا، فقدرنا وقدر بلادنا أن يكون لدينا «جار سوء» (مصطلح يُطلق على مَنْ اعتدى ويعتدي على الكويت)، نعاني منه على مدى سنوات وسنوات. ورغم أن العداء اتخذ أشكالاً كثيرة، منها: اختطاف الطائرات، وتفجير المقاهي الشعبية، ومحاولة اغتيال الأمير الراحل الشيخ جابر الأحمد في ثمانينيات القرن المنصرم، فإن المنطقة بأسرها عانت حروباً عديدة، لكن ما نتعرَّض له في شهر رمضان المبارك هذا العام من صواريخ، وعدوان إيراني سافر على دولة الكويت ما هو إلا نتيجة حقيقة ثابتة، مفادها أن سياسة إيران الخارجية، ونهجها طيلة تاريخها السياسي يقوم على اعتبار أن منطقة الخليج العربي ودُوله الحديقة الخلفية لتصفية حساباتها، وتهور نظامها. وقد جاءت الاعتداءات السافرة على دولنا الخليجية في نهار شهر رمضان الفضيل في حربٍ ليس لنا فيها ناقة ولا جمل، ولم نكن حتى طرفاً فيها، بل إن حتى بعض دول الخليج العربية، وعلى رأسها سلطنة عمان، كانت أحد أهم أذرع الوساطة ودبلوماسية القنوات الخلفية.
جاءت الاعتداءات لضرب منشآتنا، وتدمير موانئنا، وترويع شعوبنا، والمقيمين على أراضينا أمام مرأى ومسمع العالم أجمع، فطالت الضربات الكويت، ومملكة البحرين، وقطر، ودولة الإمارات العربية المتحدة، وتحديداً إمارة دبي، التي تصدَّرت كمية القصف الإيراني، رغم أن موانئها كانت تخدم إيران اقتصادياً لسنوات وسنوات، وسلطنة عمان، والمملكة العربية السعودية، التي باتت مطاراتها وأراضيها متنفساً للكويت، والبحرين، وقطر، والإمارات العربية المتحدة، فلا يزال الأخ الأكبر محتوياً أشقاءه.
وباتت دولنا الخليجية تتصدَّر التحذيرات لكل دول العالم، بوجوب عدم السفر إليها، وألغت شركات الطيران العالمية، وتتصدَّرها القطرية والإماراتية، آلاف الرحلات. صحيح أننا دول صغيرة المساحة، لكننا أثبتنا للعالم، من خلال خلق منظومة اقتصادية، أن منطقة الخليج هي شريان الطاقة العالمي، ومنطقة ينعم فيها الإنسان بإنسانيته. هكذا هي الدول الكبرى وقت الحروب، تتصدَّر بقادتها المشاهد والمواقف، وبتوجيهات من قياداتنا الحكيمة، التي اعتبرت كل مسافر تقطَّعت به السُّبل ضيفاً على البلد الذي هو فيه، وتمديد «فيزته»، وتأمين مسكن له ومأكل.
باتت دولنا تستعرض إمكانياتها الإعلامية، والتنسيقية، واللوجستية، بوعي وحرفة ومهارة، فكانت إرشادات ضبط النَّفْس والتعامل بوعي وحذر، والانقياد للتعليمات والتوجيهات التي تُطلقها القنوات الرسمية، محط إعجاب. ورغم كل تلك الاعتداءات، لا تزال كلمة الله أكبر والآذان يصدحان بالتزامن مع صافرات الإنذار.
اليوم الخليج كله دولة واحدة، فنحن لسنا 6 دول، بل نحن خليج عربي واحد، توحَّدت صفوفنا، واتضح العدو الذي يقصف الجميع من المسافة نفسها، ولم يفرِّق في ضرباته بين عدوٍ وحليف، فكان برغماتي الفلسفة والرؤية، فعلى مدى خمسين عاماً مضت تراه يصالح تارةً هنا، وتارةً هناك، وفق ما تقتضيه المصلحة، واتضح للعالم أجمع أن خريطة الخليج الآن هي إيران ضد الخليج، وباتت استراتيجية إيران الكبرى وعدائيتها لنا واضحة للعيان.
يقول ولي نصر في كتابه «استراتيجية إيران الكبرى»: «على مدى العقود الأربعة والنصف الماضية كانت إيران تدعم الميليشيات والوكلاء في العديد من الدول العربية، مستغلةً الصراعات الأهلية، والدول الفاشلة، وقد سيطرت على أربع عواصم عربية: بغداد، وبيروت، ودمشق، وصنعاء، وحزب الله في لبنان».
صحيح تغيَّرت حياتنا من ليالي رمضان الجميلة إلى ليالي ترقب أمام شاشات التلفاز ووسائل التواصل الاجتماعي لمتابعة الأخبار، إلا أننا وحَّدنا الصفوف، ولهجنا بالدعاء: اللهم احفظ خليجنا، وقادتنا، وجنودنا، وأهلنا، وكل المسلمين بعينك التي لا تنام.