لم يكن يعلم المراسل الذي كان مرافقاً للجيوش الخليجية في عملية «عاصفة الحزم»، التي انطلقت قبل أعوام، أن الصورة التي التقطها لاجتماع قادة الجيوش، والتي بدت له عادية في حينها، ستتحول لاحقاً إلى معلومة عسكرية خطيرة.
في زمن الحروب، لا تقرأ الصور كما نراها نحن، وما يبدو لنا لقطة عابرة أو توثيقاً للحظة، قد يراه الطرف الآخر خريطة بيانات كاملة من موقع، وتوقيت، واتجاه، وتفاصيل، يمكن أن يبنى عليها قرار عسكري.
ذلك ما حدث بالفعل، حينما، رفع المراسل هاتفه ليوثق لحظة ميدانية لقوات خليجية مجتمعة في موقع عسكري، ربما للذكرى أو لإرسالها إلى مؤسسته الإعلامية، لكنه لم يكن يدرك أن الصورة التي التقطها لم تكن مجرد صورة تحمل فقط ما يظهر للعين المجردة، بل مثلت مصدراً ثرياً يدلي ببيانات تقنية خفية، تتضمن إحداثيات الموقع الجغرافي ووقت التقاط الصورة، بل حتى نوع الجهاز المستخدم.
ومن هذه التفاصيل تمكنت القوات المعادية من تحليلها، لتتحول الصورة خلال وقت قصير إلى معلومة استخباراتية دقيقة، ولم تمض فترة طويلة حتى كان الموقع الذي التقطت فيه الصورة هدفاً لقصف عنيف.
القصة التي استعرضها الزميل محمد الشرهان في «قصة أمنية»، والتي تم نشرها على حسابات «الجريدة» على مواقع التواصل الاجتماعي، لم يروها للتشكيك في نيات أحد، فالنية كانت حسنة، لكن الكل متفق على أنه في زمن الحروب لا تقاس النتائج بالنيات، فكم من نية حسنة تسببت في كوارث، فمعلومة واحدة قد تختصر ساعات من الرصد والتحليل، وقد تكون كافية لتحديد هدف عسكري.
اليوم، ومع ما تشهده المنطقة من توتر وتصعيد في ظل العدوان الإيراني المستمر على دول مجلس التعاون الخليجي، تعود هذه القصة لتقدم درساً واضحاً، «الصورة في مثل هذه الظروف قد تتحول إلى قنبلة موقوتة»، لأن ما يراه البعض مجرد صورة، قد يراه العدو معلومة ثمينة... زاوية تصوير قد تكشف موقعاً، ومشهد سقوط شظايا قد يحدد نقطة استهداف، ولقطة عفوية قد تكشف تحركاً أو تمركزاً عسكرياً.
ولهذا جاءت التحذيرات الرسمية واضحة وصريحة، فقد شددت الجهات الأمنية والعسكرية في الدولة، ممثلة في وزارتي الداخلية والدفاع والجيش الكويتي والحرس الوطني وقوة الإطفاء العام على خطورة تصوير أو نشر أي مشاهد مرتبطة بالأحداث العسكرية أو الأمنية.
هذه التحذيرات لم تأت من فراغ، فبرغم كل التنبيهات، لا يزال بعض الأشخاص يوثقون سقوط الشظايا أو مواقع الأحداث بدافع التوثيق أو السبق في النشر عبر وسائل التواصل الاجتماعي، غير مدركين أن الصورة التي يلتقطها قد تختصر على العدو الكثير من الوقت والجهد في الرصد والتحليل، ولم يعد الأمر مجرد مخالفة تعليمات، بل مسألة تمس الأمن الوطني بشكل مباشر.
وفي هذا السياق، أعلن قطاع الأمن الجنائي في وزارة الداخلية الكويتية منذ بداية الأحداث عن ضبط 12 شخصاً، بينهم مواطنون ومقيمون، بعد نشرهم صوراً ومحتويات تتعلق بالعمليات العسكرية الجارية في البلاد.
كما أكدت النيابة العامة، مساء أمس الأول، أنها «أمرت بحبس 13 متهماً في وقائع منفصلة تمثلت في بث أخبار وبيانات وإشاعات مغرضة عبر وسائل تقنية المعلومات تضمنت الدعوة إلى إثارة الفتنة الطائفية والتحريض على أعمال العنف، كما اشتملت تلك المضامين على ما من شأنه إثارة الفزع بين الناس والإضرار بالاستعدادات الدفاعية للقوات المسلحة، وذلك في ظل الظروف الاستثنائية التي تمر بها البلاد، بما ينطوي على مساس بأمن الدولة وتهديد لوحدتها الوطنية وإخلال بالنظام العام».
على كلٍّ، ما يجب أن نعلمه أن الأمن لا تقع مسؤوليته على الجهات الأمنية والعسكرية وحدها، بل هو مسؤولية الجميع، وكما تقوم تلك الجهات بواجبها لحمايتنا، يجب على كل فرد مواطناً ومقيماً مساندتها ودعمها، وأن يدرك أن هاتفه قد يتحول من دون أن يقصد، إلى أداة توفر للعدو معلومات قد لا يحصل عليها بسهولة... حفظ الله الكويت وشعبها والمقيمين على أرضها من كل مكروه.