لطالما اتسم النهج الخليجي في إدارة الأزمات الإقليمية بدرجة عالية من الحذر والرزانة السياسية. هذا الأسلوب، الذي قد يفسره البعض على أنه تردد أو بطء في اتخاذ القرار، كان في الواقع أحد عوامل الاستقرار النسبي في منطقة تعيش منذ عقود على إيقاع الأزمات والصراعات. فبينما اندفعت قوى إقليمية عديدة نحو سياسات التصعيد والمواجهة، اختارت دول الخليج غالباً سياسة التوازن وضبط النفس لحماية مصالحها وتجنب الانجرار إلى صراعات كبرى.اليوم يواجه هذا النهج أحد أصعب اختباراته في ظل التصعيد العسكري الذي بدأ في 28 فبراير 2026 بعد الضربات الأمريكية/الإسرائيلية على إيران، وما تبعها من ردود إيرانية وهجمات عبر أذرعها الإقليمية في أكثر من ساحة. هذه التطورات وضعت المنطقة أمام مرحلة شديدة الحساسية، حيث تتقاطع مصالح القوى الإقليمية مع حسابات القوى الدولية في مشهد معقد قد يتطور إلى مواجهة أوسع.في هذا السياق، تبنت دول الخليج، ومنها الكويت، ما يمكن وصفه بسياسة "ضبط النفس الاستراتيجي" (Strategic Restraint). هذه السياسة لا تعني التراجع أو الضعف، بل تعكس إدراك ووعي لطبيعة الصراع في المنطقة، حيث قد يؤدي أي رد متسرع إلى توسيع دائرة الحرب وتحويلها إلى مواجهة إقليمية شاملة.تعتمد هذه المقاربة على استخدام الأدوات الدبلوماسية والقانونية بشكل متدرج قبل الانتقال إلى خيارات أكثر حدة، مثل استدعاء السفراء وتقديم مذكرات احتجاج رسمية وإصدار بيانات تدين أي انتهاك للسيادة الوطنية. كما تستند هذه المواقف إلى القانون الدولي، خصوصاً المادة 51 من ميثاق الأمم المتحدة التي تكفل للدول حق الدفاع عن النفس، ما يعني أن خيار الرد العسكري يبقى قائماً إذا اقتضت الضرورة، لكنه ليس الخيار الأول.أحد أبرز ملامح السياسة الخليجية في هذه الأزمة هو السعي إلى احتواء التصعيد بدلاً من توسيعه. فعندما انطلقت بعض الهجمات من جماعات مسلحة داخل العراق، حمّلت الكويت المسؤولية لتلك الفصائل بدلاً من توجيه الاتهام المباشر للدولة العراقية، مع مطالبة بغداد باتخاذ إجراءات عملية للحد من هذه الأنشطة. هذا النهج يمنح الحكومة العراقية مساحة للتحرك دون دفعها إلى موقع المواجهة المباشرة.المنطقة اليوم تقف على حافة صراع متعدد الجبهات. الضربات العسكرية المتبادلة، والتحركات عبر الوكلاء الإقليميين، والتوترات المتزايدة بين القوى الكبرى تجعل أي خطوة غير محسوبة قابلة لإشعال مواجهة أوسع.بالنسبة لدول الخليج، فإن الدخول المباشر في هذا الصراع قد يعرض البنية التحتية الحيوية لمخاطر كبيرة، بما في ذلك منشآت النفط والطاقة ومحطات تحلية المياه والموانئ التي يعتمد عليها الاقتصاد العالمي في إمدادات الطاقة والتجارة.لهذا تراهن دول الخليج على مزيج من الضغط الدبلوماسي والتنسيق الدولي مع شركائها الغربيين، إضافة إلى العمل عبر القنوات السياسية الإقليمية، بهدف احتواء الأزمة ومنع تحولها إلى حرب إقليمية شاملة.إن ضبط النفس الاستراتيجي لا يعني القبول بالاعتداءات، بل يعكس محاولة لإدارة الأزمة بعقلانية ومسؤولية سياسية. لكن هذه السياسة تبقى مرتبطة بحدود معينة، فإذا تجاوزت الهجمات عتبة تهدد الأمن الوطني بشكل مباشر ومستمر، فقد تتغير معادلة الحكمة والردع.حتى ذلك الحين، يبدو أن الرهان الخليجي ما زال قائم على فكرة أساسية، أن تجنب الحرب أحياناً يتطلب قدراً أكبر من القوة السياسية من خوضها.
Ad