واندلعت الحرب، واشتعلت نيران الزلازل لتضرب الضمير الإنساني، وانطلقت الرصاصة الأولى لتُصيب قواعد وأُسس المواثيق والمعاهدات الدولية، وتخدش بلداً لطالما عُرف بإنسانيته ودبلوماسيته ومساعدته للغير. رأينا كيف تناثر دخان غِلّ الأعداء في أجوائه وأجواء المدن العربية، وكيف استنشقه الأبرياء بلا ذنب. فهل يا تُرى تلك المواثيق الدولية حبر على ورق أم طوق نجاة؟عندما تمَّت صياغة «الإعلان العالمي لحقوق الإنسان» عام 1948، كان بمنزلة صرخة تُنادي بحق الحُرية والأمان. فنصَّت المادة الثالثة منه على أن «لكل فرد الحق في الحياة والحُرية وفي الأمان على شخصه». لكن بعدما رأينا في الأيام الفائتة من ركام أسود، وسمعنا أنين كبار السن ونحيب الأطفال الصغار الذين حُرموا من اللعب على أراضيهم، نجد أن هناك فجوةً في تطبيق النص.يجب على كل الدول والمجتمعات الالتزام بهذه المواثيق، لأنها ليست ترفاً أخلاقياً، بل هي أخلاق سامية ومعانٍ راقية تحتوي في مُجملها على احترام القانون الدولي الإنساني.إن الحروب كساحة معركة تعلِّمنا دروساً قاسية من رماد تلك النزاعات، مثلاً:1. وحدة الألم الإنساني: يجب تعزيز قِيم التكافل عبر الحدود، حيث إن الرصاصة لا تسأل عن ديانة الضحية أو عرقها، والدم المُسال له لون واحد دائماً، فكلنا نتألم لمصاب أشقائنا وحلفائنا.2. هشاشة السِّلم الاجتماعي: إن السلام المستدام يُصنع بتمكين الفرد من حقوقه الأساسية، وبتوافر العدالة، وتعزيز حقوق الإنسان، لا باتفاقيات مكتوبة فقط.3. المسؤولية الجماعية: الإنسانية جسدٌ واحد، وإذا تداعى جزء منها بالظلم، فإن العدوى ستطول الجميع. فالصمت عن الانتهاكات دعوة صريحة لتكرارها في مكانٍ آخر. يجب على الفرد أن يعبِّر عن وطنيته، ومسؤوليته تجاه مجتمعه بكلمةٍ وفعلٍ ودعاء.ففي ظل كل هذه الظروف والآهات الخفية والآلام المضنية، نشعر ببلسم يتناثر على تلك الجراحات والآهات، وهو ما يفعله شباب الوطن من تعزيزٍ لروح التكاتف والتعاون، والوقوف كالسد المنيع أمام الأعداء، مسلَّحين بالدِّين والوعي والوحدة الوطنية. ونرى الأطباء وهم يتنقلون بين أجنحة المستشفيات يُسعفون مَنْ آلمتهم جراح الحرب، محرومين من الراحة. كما نرى العاملين في شركات التوصيل الذين يجازفون بأرواحهم لخدمة الآخرين في أصعب الظروف، إضافة إلى الموظفين والعاملين على خدمة الوطن ومصالحه.وهنا نذكر بأن المؤسسات الوطنية المعنية بحقوق الإنسان لها دور محوري في هذا المشهد، فهي كصمام الأمان للمواطن، لأنها تُسهم في رصد التحديات، وتقديم المشورة، وتعزيز الالتزام بالمعايير الوطنية والدولية التي تضمن احترام الحقوق والحُريات. وهذه الحقوق ليست مسؤولية المؤسسات وحدها، لأنها مسؤولية المجتمع بأكمله: فيجب أن يكون هناك إعلام يُضيء الحقيقة، وتعليم يغرس قِيم العدالة، وأسرة تربِّي أبناءها على حُب الوطن واحترام الحقوق ومعرفة الواجبات، ومواطن يُدرك أن صوته يمكن أن يكون جزءاً من حماية إنسانٍ آخر.حفظ الله الكويت من كل مكروه، ورحم الشهداء الأبرار، وشافى الجرحى والمصابين.* مترجمة وكاتبة وفنانة تشكيلية
مقالات - اضافات
بين ركام الحروب وظلال المواثيق
05-03-2026