لم يكن إيداع العراق قائمة إحداثيات وخارطة للمجالات البحرية لدى الأمم المتحدة خطوة تقنية عابرة، بل تطوراً أعاد ملف الحدود البحرية مع الكويت إلى واجهة المشهد السياسي.
دولة الكويت اعتبرت ما ورد في الإيداع مساساً بسيادتها على مناطقها البحرية ومرتفعاتها المائية الثابتة والمستقرة في علاقتها القانونية مع العراق، وفي مقدمتها فشت القيد وفشت العيج، مؤكدة أن هاتين المنطقتين لم تكونا يوماً محل خلاف على سيادتها التامة عليهما. التحرك الكويتي جاء واضحاً وحاسماً: استدعاء القائم بأعمال السفارة العراقية وتسليمه مذكرة احتجاج رسمية. هذه الخطوة تعكس أن المسألة ليست مجرد اختلاف فني حول خرائط، بل قضية سيادة تستند إلى مرجعيات دولية ملزمة. وفي طليعة هذه المرجعيات قرار مجلس الأمن رقم 833 لعام 1993، الذي رسم الحدود الدولية بين البلدين بصورة نهائية وملزمة، إضافة إلى اتفاقية الأمم المتحدة لقانون البحار لعام 1982، التي تُنظم آليات ترسيم الحدود البحرية وتسوية النزاعات ذات الصلة. من الناحية القانونية، إيداع الإحداثيات لدى الأمم المتحدة لا يُنشئ حقاً جديداً بذاته، لكنه يُسجل موقفاً رسمياً. الإشكالية تنشأ حين يتضمن هذا التسجيل توصيفاً يُفهم منه أنه يلامس مناطق تعتبرها الكويت محسومة السيادة وفق القرارات الدولية والاتفاقيات الثنائية. ومن هنا جاء الموقف الكويتي الصريح: لا يمكن القبول بأي إجراء أحادي يفتح باب التأويل فيما استقر عليه القانون الدولي وقراراته الملزمة، كما أن التطور الحالي لا يُقرأ بمعزل عن سياق سابق، أبرز محطاته قرار المحكمة الاتحادية العليا في العراق في سبتمبر 2023 بعدم دستورية قانون تصديق اتفاقية تنظيم الملاحة في خور عبدالله. ورغم أن الاتفاقية ذاتها مازالت قائمة من الناحية الدولية، فإن هذا التطور أثار تساؤلات حول استقرار الإطار التشريعي المنظم للعلاقة البحرية بين البلدين. إقليمياً، جاء التضامن واضحاً من مجلس التعاون لدول الخليج العربية وعدد من الدول العربية، تأكيداً لدعم سيادة الكويت ووحدة أراضيها ومناطقها البحرية، مع التشديد على الاحتكام إلى القانون الدولي والحوار المسؤول. هذا الموقف يعكس إدراكاً بأن استقرار شمال الخليج ليس شأناً ثنائياً فحسب، بل عنصراً أساسياً في منظومة الأمن الإقليمي.
دولة الكويت لا تبحث عن تصعيد، لكنها في الوقت ذاته لا تساوم على سيادتها. الرسالة التي حملتها مذكرة الاحتجاج واضحة: احترام قرارات مجلس الأمن والاتفاقيات الثنائية هو الأساس الذي تُبنى عليه العلاقات بين الدول. وأي خلاف يجب أن يُدار عبر القنوات القانونية والفنية المعتمدة، لا عبر خطوات أحادية قد تثير الشكوك، أو تعيد فتح ملفات حُسمت بقرارات دولية ملزمة، فالحدود التي رُسمت بقرارات أممية ليست وجهة نظر قابلة لإعادة التفسير، إنما التزام قانوني دولي ثابت. والخرائط، مهما تعددت لا تُغيّر السيادة.